|
القرآن يبني العقلية الواعية
لا يخفى عليكم أنه أول ما نزل من القرآن الكريم
على سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ؛
سورة العلق ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ) وبهذه
السورة شرع القرآن الكريم في تأسيس عقل من آمن به
من خلال الحث على القراءة الجادة ، والتعلم
المستمر ، والتفكر الطويل ، والنظر الفاحص ، كل
ذلك من في إطار الجمع بين القراءة المسموعة ،
والقراءة المشهودة ( أفلا يتدبرون القرآن )، كما
قال ابن القيم : ( فالأول تفكر في الدليل القرآني
، والثاني تفكر في الدليل العياني ، الأول تفكر في
آياته المسموعة ، والثاني تفكر في آياته المشهودة
) وأي انحراف عن هذه المنهجية ؛ سواء بإهمال
القراءتين جملة ، أو بالاقتصار على إحداهما ؛
سيؤدي حتما إلى انحراف خطير في الفهم والسلوك.
وبعد نزول سورة (العلق) ، ينهمر السيل ،
ويتعالى النداء المرة تلو المرة تأكيدا على ضرورة
الجمع بين القراءتين وذلك بألفاظ متعددة ومتنوعة
.. اقرأ ، تفكر ، اعقل ، تدبر ، تفقه ، انظر ،
تبصر .. حيث وردت هذه الألفاظ ومشتقاتها في القرآن
الكريم أكثر من 750 مرة ، مما يجد عقل المسلم نفسه
ملزما حيالها ؛ بمنطق الإيمان بأن يتحول ، وأن
يتشكل من جديد كي يتلاءم مع التوجه القرآني الذي
أراده الله له ، بحيث يكون عقلا كليا لا جزئيا ،
عقلا منفتحا لا مغلقا ، عقلا مستنيرا لا متخلفا ،
من أولي الألباب لا من أولى القشور ، لأن لب الشيء
هو خلاصت ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته
، وليتذكر أولوا الألباب ) !! يقول ابن القيم
محددا علة تنزليه : (
…
ولهذا أنزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه ويعمل
به ، لا لمجرد تلاوته مع الإعراض عنه .. ) !!
ومن هنا كانت دعا القرآن الكريم الناس إلى التفكر
والتبصر بحقيقة وجودهم
، وارتباطاتهم الكونية عن طريق ( النظر الحسي )
إلى ما حولهم ، ابتداء من مواقع أقوامهم ، وانتهاء
بآفاق النفس والكون ، وأعطى للحواس مسؤوليتها
الكبيرة عن كل خطوة يخطوها الانسان المسلم في مجال
البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجريب . قال
تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع
والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) .وناداه
أن يمعن النظر إلى ما حوله
…
إلى خلقه فقال :
( فلينظر الإنسان مما خلق ) وناداه أن يمعن النظر
إلى ما حوله
…
إلى طعامه
( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) ، ( انظروا إلى ثمره
إذا أثمر وينعه ) وناداه أن يمعن النظر إلى ما
حوله
…
إلى الملكوت :
( أولم ينظروا إلى ملكوت السموات والأرض ) وناداه
أن يمعن النظر إلى ما حوله
…
إلى التاريخ وحركة الإنسان في الأرض فقال
: ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة
المكذبين )
وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله
…
إلى خلائق الله ، فقال :
( أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت ، وإلى السماء
كيف رفعت ،وإلى الجبال كيف نصبت ، وإلى الأرض كيف
سطحت )
وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله
…
إلى النواميس الاجتماعية
، فقال: ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض )
وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله
…
إلى نواميس النمو ، فقال :
( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه
نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة ،
فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ،
فكسونا العظام لحما ، ثم انشأناه خلقا آخر ،
فتبارك الله أحسن الخالقين )
وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله…
إلى الطبيعة ، فقال :
( فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الله الأرض
بعد موتها )
وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله…
إلى الحياة الأولى كيف بدأت ، فقال :
( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) .
وبالتالي نفهم تأكيدات القرآن الكريم على أن السمع
والبصر والفؤاد جميعا هي التي تعطي للحياة
الإنسانية قيمتها وتفردها ، وأن الإنسان بتحريكه
لهذه القوى والطاقات ، بفتحه هذه النوافذ على
مصراعيها باستغلاله لقدراته الفذة حتى النهاية في
الجمع بين القراءتين الوحي والكون معا ، سيصل قمة
انتصاره العلمي والديني على السواء ، وبهذه
الانتصارات سيتيبوء مركزه المسؤول سيدا على
العالمين ، وخليفة لله في الأرض ، كما قال تعالى :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة )
، وقال : ( يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) .
وأن الإنسان بتجميده لهذه الطاقات ، وقفل نوافذها
، وسحب الستائر والأغشية عليها ، يكون قد اختار
بنفسه المنزلة الدنيا التي ما أرادها الله له يوم
منحه نعمة السمع والبصر والفؤاد
…
منزلة البهائم والأنعام ، ( فما أغنى عنهم سمعهم
ولا أبصارهم ولا أفتدئهم من شيء ) ، ( أولئك الذين
لعنهم الله فأصمهم ، وأعمى أبصارهم ) ، ( ولقد
ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس ، لهم قلوب لا
يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم أذان
لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل ، أولئك
هم الغافلون ) .
فهل من سبيل إلى تحريك الطاقات الكامنة في هذا
الشهر المبارك ، وفتح النوافذ ، وإزالة الستائر
والأغشية عن محاطات الاستقبال والارسال ؛ والتأثر
والتأثير، وفق المنطق القرآني ، وفي إطار منجهه
؟!!
الرجوع
|