القرآن الكريم يدين الأمية
الفكرية
قال
تعالى :( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني
، وإن هم إلا يظنون ، فويل للذين يكتبون الكتاب
بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به
ثمنا قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم ، وويل لهم
مما يكسبون) .
ذكرت
الآية الكريمة أن هناك أمة من الأمم لها كتاب مقدس
من عند الله سبحانه ، وهي تتلوه آناء الليل وأطراف
النهار بأصوات حسنة عذبة ، وتكتب نصوصه بأيديها ؛
شرحا و تفسيرا و تأويلا ، وعلى الرغم من ذلك دمغها
النص الكريم بأنها أمية ( ومنهم أميون ) تعيش
مرحلة الوهم والظن دون الحقيقة في الفهم والعمل
(وإن هم إلا يظنون ) !! كما قال ابن تيمية عن ابن
عباس رضي الله عنهما في قوله : ( ومنهم أميون) أي
غير عارفين بمعاني الكتاب ، يعلمونها حفظا ،
وقراءة ، بلا فهم ، لا يدرون ما فيها .. قوله (إلا
أماني ) أي تلاوة ، لا يعلمون فقه الكتاب ، إنما
يقتصرون على ما يتلى عليهم ) !!
وهذه
الأمية كما لا يخفى ليست صفة لأمة قد خلت ، وإنما
هي مقومات ومعاني حيثما اجتمعت في أمة أو قيادة أو
جماعة ، أو فرد صح وصفه بأنه أمي ولو كان يحمل
درجات علمية عليا ، فالعبرة بالمقومات لا
بالمقامات ، وبالصفات لا بجهات !!
فإذا
كان ذلك كذلك فلنبحث سويا عن مقومات الأمية
الفكرية لنجتنبها ، ولا سبيل أمامنا للإحاطة بذلك
بادي ذي بدء إلا بالاعتراف بأن الأمية الفكرية
عادة توجد وتترعرع بكثرة في حالات ضعف الأمة
وانحطاطها وتخلفها عن ركب القيادة ، وصناعة
الحضارة ، كما هو حال أمة الإسلام في هذا الزمان
!!
وفي
هذه الحالة يكون هروب الأمة إلى الوراء ، ويصبح
التفاخر بما بين أيديها من الحق دون فهم وتطبيق ،
وبما انجزه السلف الصالح الذين كانوا مهتدين
بالكتاب ، وبما لهم من الآثار العلمية والعملية
التي كانت ثمرة تلك الهداية ، هو السبيل الوحيد
إلى أثبات الذات ، وإرضاء النفس ؛ أو قل تخديرها
عن الفهم الصحيح والتطبيق القويم !! بل تسول هذه
الأمية الفكرية للأمة أن (الأماني) أي تلاوتها
للقرآن ، كاف في نجاتها وسعادتها وفضلها على سائر
الناس ودخولها جملة وتفصيلا في قوله تعالى ( كنتم
خير أمة أخرجت للناس ) !! مما يعيقها عن الافادة
من تجارب الآخرين في كيفية النهوض من كبوتها ،
وتكوين حاضرها ، وبناء مستقبلها كما أراده الله
سبحانه لها ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها )
( إني جاعل في الأرض خليفة ) .
وبالتالي فإن الأمية الفكرية تجعل هذه الأمة أكثر
شبها بأمة اليهود في زمن التنزيل حيث أنها أعرضت
عن فهم كتابها ، واكتفت بتلاوته ، وتجميله بأصوات
حسنة ، وزعمت أنها لن تمسها النار إلا أياما
معدودة ، وأنها ابناءه الله وأحباؤه !!
وهكذا
صار حال الأمة في ظلال الأمية الفكرية ، أمة
تتزاحم على أبواب المساجد لسماع الأماني (التلاوة)
من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل
والواقع ، بل أضحت هذه الأمة تمارس حتى التدين
بطريقة مغلوطة مبتورة عن حكمتها ومقصدها ، حتى وصل
بها الأمر - بعد تفريغ القرآن من معانيه ومضامينه
والاكتفاء بتلاوته – أن تمارس أساليب تعطيل العقل
الذي يعتبر أداة التكليف، ومناط فهم الشرع والواقع
، وذلك بتكريس الأمية الفكرية ، وتأسيس العقلية
الأمية ؛ عقلية التقليد ؛ عقلية السلب والإرجاء ؛
عقلية التلاوة دون تدبر؛ عقلية النقل دون التفكر(
أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) !!
فأصبحت أمة عاجزة بين أمم عاملة ، أمة تابعة بين
أمم قائدة ، أمة مقلدة بين أمم مجددة ، أمة تنتظر
السنن الخارقة بين أمم تفقه سنن النهوض والتمكين
الدنيوي ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ،وما
كان عطاء ربك محظور ) !!
فهل
من سبيل إلى قراءة القرآن الكريم الذي ( لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزل من حكيم
حميد) قراءة تجمع بين النظر، والفهم ، والعمل وعدم
الاقتصار على واحدة منها دون غيرها( قل إنما أعظكم
بواحدة ، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ، ثم تتفكروا
) ؟!