بعد أن تضافرت النصوص المنسوبة للرسول، وانعقد الاجماع على أن الإمامة السياسية والدينية في قريش لا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد اللقاء التفاهمي الذي تم بين أمير المؤمنين في الحكم (هارون الرشيد القرشي)وأمير المؤمنين في العلم(محمد ابن إدريس الشافعي القرشي)، قدم الأول أراء واجتهادات الثاني كقول فصل في الفكر والاجتهاد والرأي، لدرجة أنه استنكر على بعض الفقهاء (كمحمد بن الحسن) من مناظرة أو مخالفة الشافعي

 

 

في حقيقة الأمر أن قراءة العقل العربي من خلال رصد ظاهرة حب التضخيم والمبالغة والخرافة، وأثر الفكر الفارسي والهندي المشبع بفلسفة الاسطورة على العقل العربي، تجعل إمكانية تفسير أسباب الغلو في الانبياء والصالحين؛

 

 تفسيرا فلسفيا منطقيا، فقد ثبت بالمتابعة والملاحظة التاريخية فما أن يغادر نبي أو رسول من رسل الله الكرام هذه الدنيا حتى تبدأ الاسطورة تتشكل في أذهان اتباعه، ثم يتفرق الناس في ذلك شيع وفرق، فقد غال أتباع موسى وعيسى فيهما، وتفرقوا عنهما أحزابا (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون).

 

وهذه حقيقة ومن طبيعة الحقيقة أن لا تتحمل الأمر غير الحقيقي. 

 

 

 

الاعتداء على الطفولة في الفكر الاسلامي  (1)

لا يخفى أن الأساس الذي بني عليه صحة زواج الكبير بالطفلة في الفكر الديني يكمن في سلسلة من الاسانيد منسوبة لرسول الله أو لآل بيته، فحوى هذه الاسانيد تدور في فلك زواج رسول الله البالغ من العمر ما يقرب الستين عاما بعائشة الطفلة والتي كان عمرها ما بين ست أو تسع سنن. نحاول قراءة هذه الروايات وتداعياتها الخطيرة على آمن وسلامة أطفالنا القصر في هذا العصر وذلك من خلال عدة نقاط، الأولي: المقارنة بين عمر عائشة في مدونات الأحاديث والآثار وبين عمرها في كتب التاريخ. الثانية: النظر في محاولة  أصحاب المدونات البحث عن آية قرآنية تدعم رواياتهم. الثالثة: رصد حجم انتهاكات أصحاب الاسانيد لحقوق الطفل. الرابعة:ضرورة قانونية لحماية الأطفال من الأغتصاب بسم الدين.

النقطة الأول: عمر عائشة بين منطق الرواية والتاريخ

1-عمر زواج السيدة عائشة  في مدونات الأحاديث:

انعقد إجماع أهل الرواية من المذهب السني على أن عمر السيدة عائشة حين تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم كان عمرها ست سنين ودخل عليها وهي بنت تسع سنين. قال البخاري في صحيحه. حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعا). (باب إنكاح الرجل ولده الصغار) وورد هذا الحديث بأسانيد مختلفة في أغلب كتب السنن والآثار.( للمزيد راجع كتاب النكاح عبر مدونات الأحاديث والأثار وأمهات كتب الفقه )

 

2-عمر عائشة في مدونات التاريخ:

اتفق جل كتاب التاريخ أن الفارق العمري بين عائشة وأختها اسماء كان عشرة سنين، كما ذكر ذلك الذهبي في سير النبلاء عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: كانت أسماء أكبر من عائشة بعشر.( انظر:سير إعلام النبلاء،والاستيعاب، وتهذيب الاسماء،وتاريخ دمشق ) وقد أكد الحافظ أبو نعيم ذلك بقوله: ولدت أسماء قبل هجرة رسول الله بسبع وعشرين سنة وكان لأبيها أبي بكر حين ولدت له إحدى وعشرون سنة. وقال الصعاني صاحب سبل السلام: اسماء بنت أبي بكر وهي أم عبد الله بن الزبير أسلمت بمكة قديما وبايعت النبي وهي أكبر من عائشة بعشر سنين وماتت بمكة بعد أن قتل ابنها بأقل من شهر ولها من العمر مائة سنة وذلك سنة ثلاث وسبعين.

 ويبدو أن كتاب التاريخ اتفقوا على أن الفارق العمري بين ولادة عائشة واسماء كان عشرة سنين، كذلك اتفقوا على أن وفاة اسماء كانت عام ثلاث وسبعين عن عمر يناهز المائة، وهاجرت وعمرها سبعة وعشرون سنة، يعني أن عائشة هاجرت وعمرها سبعة عشر سنة، ودخل بها النبي بعد عامين من الهجرة أي وعمرها تسعة عشر سنة. ويقوي هذا النظر رواية البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية .... الحديث (صحيح البخاري ، كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر في عهد النبي وعقده).

وأحسب أن رواية البخاري(...لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان الدين ) كانت في السياق التاريخي لما قبل مرحلة أضطهاد مشركي مكة للنبي وأصحابه، حيث أن هذه المرحلة كانت قبل السنة الرابعة لآن الهجرة إلى الحبشة كانت في السنة الخامسة، فإذا كان ذلك كذلك فهل يا ترى كان بإمكان عائشة وهي في عمر يقارب العامين؛ أي في فترة الرضاعة أن تميز بين دين والداها الجديد وما كان عليه أهل مكة من شرك؟!! علما بأن جل كتاب التاريخ وعلى رأسهم الطبري يثبتون بأن ذرية أبي بكر قد ولدوا كلهم- بما فيهم عائشة- قبل البعثة، فإذا كان ولادة عائشة قبل البعثة النبوية، والبعثة استمرت في مكة ثلاث عشرة سنة؛ مما يعنيى أن عمر عائشة الحقيقي لا يقل عن ثلاث عشرة فما فوق، فكيف -والحال كما مر- أن تأتي رواية البخاري وغيره بتقرير عمر عائشة حين تزواج بها رسول الله بتسع سنين ، وكان ذلك في المدينة أي بعد الهجرة  بعامين !!

وعلى الرغم من وضوح المسألة من الناحية الحسابية إلا أن البخاري ذكر الروايتين معا؛ رواية تنافي الحقيقة التاريخية لعمر عائشة ورواية تتفق والحقيقة التاريخية لعمرها. فقد جاء عنه في الرواية التي تتفق مع ما جاء في كتب التاريخ حيث ذكر( لم أعقل ابوي إلا وهما يدينان الدين ) كذلك ذكر في المقابل الرواية التي تختلف تماما مع الحقيقة التاريخية حيث ذكر (...تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعا). وهذا يشير إلى أن الاضطراب قائم في صحيح البخاري وغيره من مدونات الأحاديث مما ينبغي إعادة النظر في قدسية هذه المدونات والتعامل معها وفق مبادىء وقواعد البحث العلمي الحر بدون تقديس ولا تدنس.

النقطة الثانية: اعتداء أصحاب الرواية على النص القرآني

يبدو أن الحقل المعرفي للقرآن عند أصحاب المدونات لم ينل الجهد المطلوب قراءة وفهما وذلك خلال نظم منظومة معرفية متكاملة، تعتمد الكلي المقاصدي وترد إليه الجزئي، وتقضي بالمقدس على البشري، والكلي على الجزئي،والقصدي على الشكلي والحرفي. والغريب أن هذا المشكل ليس بطاريء بل هو متجذر في المنظومة الكلاسيكية إلى النخاع مما جعلها تتلقف انحرافات الملل والديانات الآخرى في تعاطيها مع كتبها السماوية. وقد حذر رسول الله الأمة عن اتباع ذلك السلوك لذلك نهى عن مزاحمة القرآن بأي سلطة أخرى خوفا من تحول تلك السلطة إلى سلطة نصية مناظرة لسلطة القرآن كما فعل الذين من بعده فقد قال أحد جامعي مدونات الروايات( إن السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة ).(الدارمي)، كذلك قال الأوزاعي( الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب ) (إرشاد الفحول).

وقد أصاب عمر حين قال: ذكرت قوما كتبوا كتابا قأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله !! بل وصل به الأمر أن يهدد المكثرين من بالتحديث عن رسول الله بالسجن والإبعاد إن لم ينتهوا، فقد روى السائب بن يزيد أنه سمع عمر بن الخطاب يقول لأبى هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الأحبار لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة. وكأن للسان عمر يرد لا لمزاحمة الوحي وتقديس غيره ولو كان رسول الله،وقد نقل عنه مالك كلاما شبيها بذلك حيث قال كان عمر يقول: لا كتاب مع كتاب الله. وأحسب عمر بهذه المنهجية والعقلانية كان يقاتل ضد فكرة مزاحمة الوحي بتلك المدونات فيما بعد. لذلك صرح في فترة خلافته لأؤلئك المكثرين من الرواية فقال: أمنية كأُمنية أهل الكتاب. وجاء في الطبقات الكبرى قال لهم: مثناة كمثناة أهل الكتاب.وأصل كلمة مثناة مشناة أي روايات شفوية دونها اليهود ثمّ شرحها علماؤهم فسُمّي الشرح جماراً، ثمّ جمعوا بين الكتابين فسمّي مجموعها( الاَصل والشرح )المشناة. أي التوراة مقابلها التلمود، والقرآن مقابله مدونات الأحاديث!!

ويبدو أن مقدسي الأسانيد عندما صح لديهم اسناد تلك الروايات التي تصرح بزواج النبي بعائشة وعمرها ست لم يجدوا حرجا في البحث عن آية من القرآن تعضد أسانيدهم تلك، ويبدو أنهم بحصولهم على تأويل آية من القرآن يجتمع لديهم مصادر التشريع الثلاثة؛ القرآن، والسنة، والاجماع، باعتبار أن هذه المصادر الثلاثة تتمتع بالسلطة الإلزامية لأتباعها،حيث تمنعهم من الخروج عليها، أو التفكير في إعادة النظر فيها من خلال قراءات متعددة للنص القرآني، ومحاكمة تلك الاسانيد والإجماعات من خلال قصدية النص القرآني في إطار مراعاة السياق والمساق حال التنزيل .

وهكذا تم التوجه إلى النص المؤسس القرآن -بعد إثبات صحة الاسانيد- بحثا عن آية أو إشارة قرآنية تدعم تلك الروايات، ويبدو أن سورة الطلاق كانت الملاذ الأيسر لهذا الاستدعاء القرآني لصالح تلك الروايات، حيث وقف القوم على قوله تعالى:( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن )  فقالوا واللائي لم يحضن هن الصغار اللواتي لم يبلغن سن البلوغ، فقد بوب البخاري لأسانيد ورواياته( باب إنكاح الرجل ولده الصغار) لقوله تعالى:( واللائي لم يحضن ) فجعل عدتها ثلاثها أشهر قبل البلوغ. ثم ذكر روايته كاملة. وهكذا بمنهج التعضية( الذين جعلوا القرآن عضين) تم الاعتداء على النص القرآني وتمزيقه نصوص من سياقاتها دون النظر في آيات القرآن كلها من خلال السياق والسباق واللحاق في إطار قصديته الكلية. ومعلوم للناظر في القرآن بعقل مقاصدي أن القرآن في آيات سورة الطلاق وغيرها لم يتنزل ليؤصل فكرة الزواج بالأطفال بل ذهب في مواضع أخرى يقرر ضرورة الحماية للأطفال حتى وإن بلغوا الحلم ،من ذلك حين وصف البالغ في بداية بلوغه بأنه طفل ينبغي مراعاته حتى يصل إلى سن الرشد وتحمل المسؤولية الكاملة وإن بلغ الحلم بيولوجيا،فقال تعالى:( حتى إذا بلغوا النكاح ....) بل( وأنستم منهم رشدا....) وقال(.. وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم..)  لآن البلوغ البيولوجي لوحده دون نضج ورشد وتحمل مسؤولية لا يخرج الذكر والأنثى من كونه في دائرة الطفولة والتي بحاجة إلى رعاية معنوية وحسية من الكبار وليس للكبار أن ينتهكوا هذه المرحلة الطفولية بالإكراه والأغتصاب تحت أي مسمى من المسميات الدينية أو العرفية.

وأحسب أن من أراد قراءة آية الطلاق( ...واللائي لم يحضن... ) بمعزل عند سلطان الرواية الكلاسيكي يجد أنها لا تتحدث عن تأصيل زواج الصغيرات أصلا، وإنما تناولت موضوعا محددا وهو عدة المطلقة وكيفية إثبات إبراء الرحم، حيث جاء في سياقها ذكر ثلاثة أنواع من المطلقات؛ فالنوع الأول تناول مرحلة اليأس من الحيض( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم). والنوع الثاني تناول من لها اضطرابات دائمة أو متقطعة في حيضتها( واللائي لم يحضن). والنوع الثالث تناول الحامل( وأولت الأحمال). فعدة النوع الأول والثاني ثلاثة أشهر( فعدتهن ثلاثة أشهر )، وعدة النوع الثالث من المطلقات( أن يضعن حملهن ). ولا علاقة لهذه الآية بتزويج الصغيرات والأطفال.

واللافت للنظر أن الآية تمحورت في خطابها حول مصطلح النساء( من نسائكم ) المعروف لدى المتلقي حال التنزيل ولم تتمحور في خطابها حول مصطلح الأطفال. لآن هنالك فارق جلي بين مفهوم النساء والأطفال في الدال والمدلول بالنسبة للعرف القرآني واستخدامته اللغوية. وعليه فإن الأنواع الثلاثة التي تناولتها الآية كلها في النساء وليست في الأطفال وإن بلغوا الحلم. وهكذا يستقم الفهم ويتحرر النص القرآني من قيود  الأسانيد، وبالتالي يمكن قراءة الآية على هذا الوجه فالنوع الأول من النساء المطلقات هن اللائي يئسن من المحيض أي انقطع عنهن المحيض لعامل التقدم في السن. والنوع الثاني من النساء، يبدو أن ثمة إحتمالين الأول أنهن اللائي لديهن استحاضة دائمة ولذلك استعمل القرآن حرف ( لم ) ولم يستخدم حرف ( لا ) والفرق بين الجزم والنفي معروف، فقال:( واللائي لم يحضن )، لآن الاستحاضة لا تعد حيضة والمستحاضة هي التي لا يستقيم لها الحيض أي بدون انضباط في التوقيت وعدد المرات في الشهر والأشهر، هذا الاحتمال الأول. أما الأحتمال الثاني في الآية( واللائي لم يحضن ) يعني اللائي لا يأتهن الحيض أبدا، أو يأتهن في العام مرة، وقديما كانوا يسمون المرأة التي لديها هذه الحالة بالضهياء أو المرأة الضهياء. وأحسب أن الناظر في قصدية نزول الآية في إطار اعتبار سياقها وسباقها ولحاقها يجد أنها قصدت بالأصالة تقرير عدة المطلقة بغية تحقيق إبراء الرحم وظهور عدم اشتغال الرحم بجنين من الرجل المطلق تمهيدا للمطلقة من فتح بيت جديد. أما النوع الثالث والأخير وهو المرأة الحامل المطلقة فعدتهن أن يضعن حملهن.

> الاعتداء على الطفولة في الفكر الاسلامي (2) 

 

الرجوع   >

الرئيسة   >

 

يسمح بالاستفادة من الموقع شريطة ذكر المصدر