بعد أن تضافرت النصوص المنسوبة للرسول، وانعقد الاجماع على أن الإمامة السياسية والدينية في قريش لا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد اللقاء التفاهمي الذي تم بين أمير المؤمنين في الحكم (هارون الرشيد القرشي)وأمير المؤمنين في العلم(محمد ابن إدريس الشافعي القرشي)، قدم الأول أراء واجتهادات الثاني كقول فصل في الفكر والاجتهاد والرأي، لدرجة أنه استنكر على بعض الفقهاء (كمحمد بن الحسن) من مناظرة أو مخالفة الشافعي

 

 

في حقيقة الأمر أن قراءة العقل العربي من خلال رصد ظاهرة حب التضخيم والمبالغة والخرافة، وأثر الفكر الفارسي والهندي المشبع بفلسفة الاسطورة على العقل العربي، تجعل إمكانية تفسير أسباب الغلو في الانبياء والصالحين؛

 

 تفسيرا فلسفيا منطقيا، فقد ثبت بالمتابعة والملاحظة التاريخية فما أن يغادر نبي أو رسول من رسل الله الكرام هذه الدنيا حتى تبدأ الاسطورة تتشكل في أذهان اتباعه، ثم يتفرق الناس في ذلك شيع وفرق، فقد غال أتباع موسى وعيسى فيهما، وتفرقوا عنهما أحزابا (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون).

 

وهذه حقيقة ومن طبيعة الحقيقة أن لا تتحمل الأمر غير الحقيقي. 

 

 

 

التهميش من خصال البيئات المتخلفة 

قلة أولئك الذين يختارون العيش على الهامش وهم على دراية بما يفعلون ، أما الكثرة الكاثرة من الناس تُهمش أو ترضى بالهوامش ، وتعيش خارج الحلبة بسبب البيئة المحطمة (= مؤسسة، قبيلة، حزب، مجتمع، نظام) التي يعيشون فيها ، فهي غير ملائمة للنمو الطبعي والابداعي ، لأنها إما أن تكون قاسية إلى درجة الكبت وسد مسامات الجلد ، وإما أن تكون على درجة عالية من التخلف ؛ بحيث لا تمكن من صناعة الإرادات ؛ ولا استنفار الطاقات، ولا تطوير الإمكانات ، وهذا - مع الاسف- هو شأن أكثر الناس و البيئات !!

بالتالي فإن هؤلاء المهمشين يتشكل خيالهم بنتاج تلك البيئة المتخلفة ، بحيث يطبع في مخيلتهم دائما العيش تحت وطأة أوهام المؤامرة ، مما يكرس في نفوسهم أن كل شيء محيك باتقان وموجه بعناية ضد توجهاتهم ومصالحهم ، مما عزز لديهم نوعا من العقيدة الجبرية ، التي تشجعهم على التنصل من أخطائهم ، وعدم ممارسة النقد الذاتي ، والمراجعة الصادقة ، والتخطيط الجاد للمستقبل ، مما يجعل منهم أناس على قدر علي من الخبرة في إزهق الجهود ، ونحر العقول ، وقتل الابداع ، وهدر الأوقات في قضايا لا تسمن ولا تغني من جوع  ، على الرغم من أن العالم المتقدم اخترع آلات لقياس أجزاء الثانية ، وهؤلاء يتعاملون مع الزمن بالأيام والشهور بل بالسنة !!

ثم هؤلاء الذين رضوا بالهاميشة والتهميش ، والعيش داخل البيئات المتخلفة دون سعي حثيث لتغييرهذه البيئات ، قد كرسوا نوعا من عقيدة القدر والجبر في جوانب علمية وعملية في آن واحد رغم رفضهم المستمر لهما ، لأنهم أصبحوا يعيشون الحاضر بعقلية الماضي ، ويعالجون العصر بآدوات تاريخية ، ويقروأن الواقع برؤية مثالية ، لا يفرقون فيها بين نص وفتوى ، واجتهاد وقضاء ، وثابت ومتغير ، وقدسي وبشري ، وغاية ووسيلة حتى باتت العلوم عندهم تقصد بغية المدارسة لا للمارسة ، والمصادفة لا المثافقة ، والحفظ لا الفهم !!

ولا شك أنهم إن لم يراجع هؤلاء أنفسهم ، وعقولهم ، وبيائاتهم ، ويستوعبوا مستجدات عصرهم وتحدياته ومشكلاته ؛ بل يساهموا في صناعة أحداثه ، ويفقهوا سنن التغييرالكونية والبشرية والشرعية ، يصبحوا في عداد الحمل الثقيل الذي ينبغي على قائد السفينة الناجح أن يخفف منه قبل الإبحار ومعالجة الامواج والاعصار، وإلا كان مصير الجميع - لا سمح الله – الغراق !

 

الرجوع   >

الرئيسة   >

 

يسمح بالاستفادة من الموقع شريطة ذكر المصدر