|
التهميش من خصال
البيئات المتخلفة
قلة
أولئك الذين يختارون العيش على الهامش وهم على
دراية بما يفعلون ، أما الكثرة الكاثرة من الناس
تُهمش أو ترضى بالهوامش ، وتعيش خارج الحلبة بسبب
البيئة المحطمة (= مؤسسة، قبيلة، حزب، مجتمع،
نظام) التي يعيشون فيها ، فهي غير ملائمة للنمو
الطبعي والابداعي ، لأنها إما أن تكون قاسية إلى
درجة الكبت وسد مسامات الجلد ، وإما أن تكون على
درجة عالية من التخلف ؛ بحيث لا تمكن من صناعة
الإرادات ؛ ولا استنفار الطاقات، ولا تطوير
الإمكانات ، وهذا - مع الاسف- هو شأن أكثر الناس و
البيئات !!
بالتالي فإن هؤلاء المهمشين يتشكل خيالهم بنتاج
تلك البيئة المتخلفة ، بحيث يطبع في مخيلتهم دائما
العيش تحت وطأة أوهام المؤامرة ، مما يكرس في
نفوسهم أن كل شيء محيك باتقان وموجه بعناية ضد
توجهاتهم ومصالحهم ، مما عزز لديهم نوعا من
العقيدة الجبرية ، التي تشجعهم على التنصل من
أخطائهم ، وعدم ممارسة النقد الذاتي ، والمراجعة
الصادقة ، والتخطيط الجاد للمستقبل ، مما يجعل
منهم أناس على قدر علي من الخبرة في إزهق الجهود ،
ونحر العقول ، وقتل الابداع ، وهدر الأوقات في
قضايا لا تسمن ولا تغني من جوع ، على الرغم من أن
العالم المتقدم اخترع آلات لقياس أجزاء الثانية ،
وهؤلاء يتعاملون مع الزمن بالأيام والشهور بل
بالسنة !!
ثم
هؤلاء الذين رضوا بالهاميشة والتهميش ، والعيش
داخل البيئات المتخلفة دون سعي حثيث لتغييرهذه
البيئات ، قد كرسوا نوعا من عقيدة القدر والجبر في
جوانب علمية وعملية في آن واحد رغم رفضهم المستمر
لهما ، لأنهم أصبحوا يعيشون الحاضر بعقلية الماضي
، ويعالجون العصر بآدوات تاريخية ، ويقروأن الواقع
برؤية مثالية ، لا يفرقون فيها بين نص وفتوى ،
واجتهاد وقضاء ، وثابت ومتغير ، وقدسي وبشري ،
وغاية ووسيلة حتى باتت العلوم عندهم تقصد بغية
المدارسة لا للمارسة ، والمصادفة لا المثافقة ،
والحفظ لا الفهم !!
ولا
شك أنهم إن لم يراجع هؤلاء أنفسهم ، وعقولهم ،
وبيئاتهم ، ويستوعبوا مستجدات عصرهم وتحدياته
ومشكلاته ؛ بل يساهموا في صناعة أحداثه ، ويفقهوا
سنن التغييرالكونية والبشرية والشرعية ، يصبحوا في
عداد الحمل الثقيل الذي ينبغي على قائد السفينة
الناجح أن يخفف منه قبل الإبحار ومعالجة الامواج
والاعصار، وإلا كان مصير الجميع - لا سمح الله –
الغراق !
الرجوع
|