بالرغم من هذا الفكر السياسي المتقدم في تجربة النبي السياسية باعتبار السبق الزمكاني، إلا أنها ليست المثال الذي يخترق التاريخ والجغرافية بدون تعديل وإضافة وإلغاء كما يزعم أصحاب نظرية التماثل التاريخي(=المثال أو النموذج التاريخي) أو اصحاب نظرية التقديس التاريخي(=تقديس تجربة النبي،أو الخلفاء الراشدين). ولعل هذه التصورات والمفاهيم هي  السائده والمتمكنة من العقل التقديسي القياسي الإحالي الذي لا يعتبر(السياق والمساق) بمعنى أن هذا العقل يطمس التعاقب التاريخي، والتمايز الثقافي والاجتماعي، ومن ثم فهو لا يمايز بين منطق السياسة والاعمال السياسية، ولا ريب أن ذلك يعد نوع من محاكمة الماضي للحاضر والمستقبل، واستمرارية للتاريخ دون انقطاع، وللاسف الشديد أن هذا هو ما يصنعه من ينادي بإعادة الخلافة أو يرفع شعار الإسلام هو الحل دون تمييز بين الإسلام المنزل وقصديته، والإسلام المؤول وإكراهاته.

 فلسفة تطور العقل وتدرج الشرع

فهم فلسفة تطور العقل البشري في أطواره المتعددة

فهم مقاصد تدرج الوحي ،وعلّية أنزال الشرائع

 

إدراك العلاقة بين تدرج الوحي وتطور العقل

 

ولا ريب فإن قيم الوحي ودلالاتها الأخلاقية والقانونية في سنن الاجتماع البشري وسنن الكون مطلقة وليست نسبية

 

 

أما تدرج الوحي في أنزال الشرائع حسب تطور عقل الانسان وحاجاته لضبط علاقته بغيره من بنى الانسان ، ومعرفة قوانين استعمار الأرض

أول ما خلق الله العقل ،فقال له :أقبل فأقبل ، ثم قال له:أدبر فأدبر.ثم قال الله عز وجل :وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب

 

ولا أخال أن تلك العقلية المقاصدية التي استطاعت التعامل من مقاصد الوحي بعقلية مقاصدية تراعي ظروف الزمان والمكان والانسان

 

ويبدو من هذه الأهمية الاستراتيجية للطائف كانت محل رصد واهتمام من قبل الرسول القائد الذي كان يعلم علم اليقين ما للاقتصاد من أهمية أصلية لقيام دولة في خضم الجاهلية،وكان يدرك تمام الإدراك أن الجماعة أو الدولة التي حرمت من مواردها الاقتصادية وافتقرت إلى غيرها استحال عليها أن تكون كما تريد ناهيك عن أن تخوض حربا شاملة ضد أعدائها.وبخروجه هذا إلى الطائف كان يدرك أن التجارة هي المورد الاقتصادي الوحيد لقريش حيث كانت لها رحلتان،رحلة في الشتاء إلى اليمن تحمل إليها بضائع الشام،ورحلة في الصيف إلى الشام تحمل إليها حاصلات اليمن ثم تأتي بالجديد إلى أسواق الحجاز الكبرى،كسوق عكاظ الشهير.

البعد الرابع:إعلامي.ويبدو أن من جملة الأسباب الاستراتيجية التي توافرت لدى قيادة الدولة الإسلامية لاختيار مدينة الطائف بمراكزها الإعلامية العالمية كمنطلق يقصد لذاته وله ما بعده،كون هذه المنطقة تحتضن أكبر مراكز للاتصالات العالمية والاقليمية حينئذ؛كمركز عكاظ الـدولى،ومركزمجنة العالمي،ومركز ذي المجاز الاقليمي للملتقيات الفكرية والأدبية.والجدير بالذكر أن هذه المراكز الإعلامية،والمنتديات الفكرية كانت أشبه حالا بمحطات البث المباشر لنقل الأفكار،والرسائل الإعلامية،والحِكم الدينية،لذلك كانت تقصد من قِبل أصحاب الأفكار والمفكرين،والمصلحين،والأدباء فيقيمون بها من أول ذي القعدة إلى آخر موسم الحج يتعاكظون فيها ويتفاخرون بها،وتنشد الشعراء ما تجدد لهم من عالم القصائد والأناشيد والأفكار.ويدل هذا على أن عكاظاً تحولت إلى مرفق مشترك لكل العرب في الجزيرة العربية،يقصده كل من يرغب في نشر خبر،أو قضية،أو دعوة،فكان يؤم هذه المراكز الإعلامية العالمية الشعراء والخطباء والحكماء يعرضون شعرهم أو يخطبون في الناس من مختلف القبائل ويتساجلون.وكان همهم ولا شك أن يفهمهم الجميع،وكان بعض المبشرين يغشون هذه المراكز الإعلامية للدعوة لأديانهم،فكانت منتدى عاما اعتملت فيه عوامل التوحيد الثقافي واللغوي اعتمالا أكيدا.

البعد الخامس: أمني.لا ريب أن العمل الأمني الوقائي والإيجابي،وجمع المعلومات عن العدو واختراق صفوفه،والتجسس عليه بالطرق السرية،والعلنية،كان من البدهيات عند العرب قبل الإسلام،وكانوا يقومون بهذا العمل في حالات حربهم وسلمهم على حد سواء.وهكذا ظل البعد الأمني ضمن اهتمامات الرسول القائد بالأسواق،والمنتديات رقما مهماً،ومحورا أصيلا لمنظومة الاستراتيجية السياسية لإقامة الدولته سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية على حد سواء،فالاهتمام بهذا البعد الأمني والاعتناء به بهذا الحجم كان نابعا من وضوح الخطة الاستراتيجية في ذهن القيادة الإسلامية.

الفصل الثالث:الأبعاد السياسية لدخوله إلى مكة.مما لا شك فيه أنه بعد رجوع قائد الدولة الإسلامية من جولته السياسية لمنطقة الطائف الاستراتيجية،محاولة منه لتأمين قاعدة عسكرية،وأمنية،وإعلامية،وتجارية.وما دار بينها وبين قيادة ثقيف والمحصلة النهائية التي أسفرت عنها هذه الجولة السياسية الهامة.ويبدو بعد رجوع القيادة رأت تأسيس رؤية عملية تقوم على مبدأ الإصرار على العمل في سبيل تحقيق الأهداف الاستراتيجية في جميع الحالات،فوق السطح وتحت السطح،وعدم ترك الساحة لقوى الشر والبغي،محلية كانت أو دولية.وكان شعار هذه المرحلة الجديدة في الخطة الانقلابية الالتفاف على مفاصل قريش الحيوية الداخلية،وزاد منفذو الخطة الاستراتيجية؛الدعاء والتضرع إلى رب السماء(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي،وقلة حيلتي،وهواني على الناس،ياأرحم الراحمين...)ومن هذه المنطلقات الأساسية قرر رسول الله الرجوع إلى مكة والعمل من خلال الإطارات الداخلية،والمؤسسات الفاعلة،والمفاصل الحيوية،وذلك بفتح الحوارات،واختراق المؤسسات،وتوظيف الصالح الموجود،والاستفادة من القوانين والأعراف الجاهلية التي لا تعارض أصول الرسالة المحمدية،حتى يأذن الله بأمر كان مسطورا.بيد أن هذا التجديد في الاستراتيجية الشاملة في سلم التمكين،عدولا وتعديلا،عدولا عن فكرة تطويق مكة من الخارج،وتعديلا في منهج التغيير الداخلي والعمل من خلال مؤسسات المجتمع الجاهلي،واختراقهاكماوكيفا،والاستفادة من التناقضات السياسية الموجودة داخل إطار المجتمع،والقوانين المعترف بها لديهم وفق خريطة سياسية انقلابية جديدة تدور في فلك الكليات النصية،والقواعد التاريخية،والضوابط العرفية.

وأحسب أن هذه هذه المباديء الاستراتيجية تطبقت من خلال وسائل عدة،:أولا:محاولة إسقاط شرعية قريش الدينية وزعامتها المزيفة للديانة الإبراهيمية.ثانيا:السعي لإسقاط تمثيلها السياسي والدبلوماسي.ثالثا:محاولة إسقاط شرعيتها العسكرية في المنطقة. 

أما الخاتمة.فلأهمية خروجه صلى الله عليه وسلم قمت بإجراء مسح سياسي لأحداث الطائف بأبعادها السياسية الاستراتيجية،وتسجيل أهم نقاط حققتها القيادة الإسلامية في هـذه الجولة السياسية من خلال سلم الإيجابية والسلبية في عالم الحركة والاستراتيجية حتى لا يفوتنا الدرس والعبرة من تلك الجولة النبوية المباركة،التي إن فهمناها نكون قد أخذنا بناصية المبادرة،وإدارة سياسة الواقع والمواقع بعقلية شمولية منسجمة مع مبادئها الشرعية،لنشر العدل؛والعمل على تقريره وتكثيره،وإزالة الظلم؛والعمل على إلغائه وتقليله.

المحور الإيجابية:وهو الأغلب

-استكشاف إمكانيات المنطقة الاستراتيجية ، ورصد إمكاناتها البشرية.

-محاولة اختراق مجلس قيادة الطائف .

-تجنيد عداس النصراني ، وعدم فصل الدعوة عن السياسة وانشطتها.

-تجنيد طائفة من الجن الذين لهم إمكانات أعلى من الانس لاسيما في نشر المعلومات،وما حادث من تسريب معلومة بيعة الانصار للنبي يوم العقبة منا ببعيد(وإذ صرفنا إليك نقرا من الجن يستعمون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا..)ولا يبعد أن تكون لهم حتى المقدرة التأثيرية على قيادات الجاهلية(وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)ولعل اجتمع قريش في دار الندوة لتدبير محاولة اغتيال رسول الله بحضور إبليس وأعوانه خير شاهد.

-الذي يملك المال يملك القرار،والذي يملك القرار يستطيع أن يكتم أنفاس غيره،مانعا إياه أن يمارس جدل الحياة التامة في كسبه وحركته وفكره.في هذا الجو الاستبدادي السياسي والاقتصادي نزلت سورة يوسف في شعاب مكة،وكان خروجه مباشرة إلى الطائف،وفي ذلك إشارة لتصويب خياره للمنطقة كبعد اقتصادي(وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء)(إنك اليوم لدينا مكين آمين،قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم).

المحور الثاني:محور السلبية:وهو النادر

-حاول رسول الله التأثير المباشر على مجلس قيادة ثقيف لتأخذ موقفا لصالحه،ولكن لم يكن لهذا الجهد كبير اثرعليهم.(وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا،أو لم نمكن لهم حرمنا آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا).

-حاول رسول الله استثمار قوانين اللجوء السياسي كما هو مقرر في دساتير الجاهلية لايجاد مأوى له ولعناصر الدولة الجديدة،ولكن هذه المؤسسات القبلية حالت دون تحقيقه.وما ذلك إلا ما قدره الله سبحانه في سابق علمه من إكرام الأوس والخزرج أهل يثرب دون أهل الطائف(الله أعلم حيث يجعل رسالته). 

-يمكنك الحصول على نسخة من هذا الكتاب من مؤسسة الرافد،لندن، هاتف00442072664342 ،e-mail:admin@al-rafid (الطبعة الأولى)

- أو من دار جامعة الخرطو للنشر،00249781806 ، )e.mail.k.u.press@sudanmail.net الطبعة الثانية)

- أو دار المدني للنشر، جدة،0096626713424 (الطبعة الثالثة)

 

الرئيسة.......>

 

مواقع علمية