|
قراءة سياسية لخروج الرسول الكريم إلى الطائف
نبذة مختصرة عن الكتاب
لا نغالي أن قلت بأن سيرة النبي صلى الله عليه
وسلم في السياسة والحركة، تعد من أرقى ما توصل
إليه الجهد البشري في زمنه؛بل هي سبق زمان في إطار
بسط قيم العدل والأخلاق الانسانية.ولكن علينا أن
نقرأ تجربة النبي السياسية في إطار الحدود الفاصلة
بين الديني والمدني،وبين التشريعي والقيادي من
فعله صلى الله عليه،حيث اجتمع في شخصه البعدين معا
(البعد الرسالي- والبعد البشري).
ومن هنا فإن عملية فرز السنة وإعادة تصنيفها على
أساس(تشريعي ،قيادي، جبلي) ثم وضع المحددات
والضوابط اللازمة، وإعادة النظر فيما بني عليها
عبر تاريخ المسلمين الفكري والفقهي والسياسي من
أصول وقواعد واجماعات،ومن ثم تحديد الواجب والمباح
منها وما بنى عليها،بحيث يتسنى للعقل المسلم
المعاصر الإضافة الجديدة للإسلام
التاريخي(=اجتهادات العلماء في فهم الإسلام عبر
التاريخ) من اجتهادات وإبداعات حسب ضوابط إسلام
النص(=الكتاب والسنة التشريعية) مع مراعاة اختلاف
الزمان والمكان ليستعيد قدراته العقلية والذهنية
التي تؤهله للولوج إلى ساحات النهوض والإقلاع
الحضاري لإعادة أخراج الآمة الرائدة من جديدة
(كنتم خير أمة أخرجت للناس) وهكذا تناول
وقائع خروجه إلى مدينة الطائف وتجربته الحركية
والسياسية على أنها ضمن(السنة القيادية)، والتي
تشير وقائعها بأنها كانت بمثابة استجابته
لواقعه،ومستجدات زمانه،ومعضلاته السياسية
والقانونية والاجتماعية،وفق قيم القرآن ومقاصده.
وهذا هو مقتضى ومعنى التأسي بالتجربة النبوية، إن
يتعاطى المسلم مع زمانه ومستجداته بعقل مقاصدي
يتجادل مع واقعه بقيم القرآن وكلياته المقاصدية،
وليست إعادة أشكال وإنماط التجربة النبوية كما
يحاول العقل القياسي أن يفعل ذلك مع واقع متباين
تماما لما كان عليه عهد النبوة.
ويلحظ المدقق بأن تجربة الرسول الكريم السياسية
في مكة والمدينة بأنها لم تكن مجرد قيام بواجب قد
أعد سلفا، وإنما المزاوجة بين قيم الوحي المطلقة
والواقع المتجدد،وبين الخبرة الشخصية والخبرات
الإنسانية السائدة.وبهذه المزاوجة والمفاعلة يكمن
الفهم الصحيح للرسالة الخاتمة وقيمها العدلية
الانسانية. وهكذا ينبغي فهم التجربة النبوية بأنها
تتجادلت مع واقعها بقيم القرآن ومقاصده دون أن
تفرض على الواقع شيئا جهازا لا يقبل الأخذ
والعطاء، فقد علم وربى،وأعلان وأسرى،وعاهد
ونازل،كل ذلك يشير إلى حالة نمو وأضطراد وتكامل
بين قيم القرآن ومقاصده والواقع وتغيراته.ولا يخفى
أن هذا يؤكد على أهمية وضرورة الاعتناء بأصلي تحمل
الوحي؛فهما وتنزيلا،بعقل مقاصدي لا قياسي من أجل
رفع قيم القرآن إلى مكانتها الاستدلالية
السامقة،وأغناء وأثراء تجربة الإسلام السياسية
بالاستفادة من تجارب الإنسانية(قد خلت من قبلكم
سنن فسيروا في الأرض،فانظروا كيف كان عاقبة
المكذبين).
وهكذا تنناغمة قيم الوحي وفعل النبي السياسي في
صياغة تلك الأمة الخيرية التي ارتفعت بقيم الوحي
عن إكراهات العرف،وإيحاءات البيئة،وتداعية
العصبية،والنزعات العرقية،فكانت كما قال الله
تعالى:(كنتم خير أمة أخرجت للناس).ولكن لما
استجابة الأمة بعد ذلك لتلك الإكراهات والإيحاءات
العرفية والجاهلية كان الإرتداد بالمعني المعرفي
والأخلاقي وليس بمعني العقدي،وذلك في تجربة الملك
العاض والجبري وولاية المتغلب كما جاءت في كتب
منظري الأحكام السلطانية الهرقلية والكسروية.
وعلى هذا الاساس تناولت خروج النبي إلى مدينة
الطائف،حيث قسمت الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول
وخاتمة.تناولت في المقدمة الإطار التاريخي لحقبة
ما قبل البعثة،والصراع المحوري،الذي يصور لنا
الانهيارالدولي الذي اصاب البشرية
بأكملها،إنهيارعقديا،أخلاقيا،سياسيا،اقتصاديا،اجتماعيا…فمملكة
الرومان قد جعلت مع الله آلهة أخرى؛وأشركت بالله
الواحد الديان،ومملكة فارس قد عبدت النار وكفرت
بالمعاد وجمع الأبدان.واليهود حرفوا التوراة
وكفروا بها،وقريش عبدت الأحجار والأوثان من دون
الواحـد القهار.وزادت هذه الملل على انحرافاتها
العقدية انحرافات أخلاقية،واقتصادية،واجتماعية ما
شاء لها أن تفعل وهي بمعزل عن دين سماوي صحيح.جعل
البشرية في حالة ترقب مستمر لمن يقوم بدور المنقذ.
وفي هذا الجو الإنهياري الشامل الكامل في تاريخ
البشرية الشاردة،الذي أوجد جوا فكريا ومناخا نفسيا
مليئا يترقب ظهور نبي،يكون المنقذ من هذا التيه
والضلال والانحراف ويملأ الدنيا قسطا وعدلا بعد أن
ملئت ظلما وجورا؛كان مبعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم خاتم النبيين والمرسلين والرحمة المهداة
للعالمين(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)،ليقيم
العدل والإحسان(إن الله يأمر بالعدل والإحسان).
أم الفصل الأول:فقد حاولت فيه تناول دواعي
اختيار النبي لمدينة الطائف وأسباب خروجه إليها،من
خلال نقطتين،الأولى:دورالمشركين في خروجه من
مكةوالثانية:اسباب اختياره للطائف دون غيرها، من
الناحيةالموقع الاستراتيجي،.والقوة
الاستراتيجية..حيث كانت الطائف من ناحية الموقع
والموقف في إطارها الزماني تعتبر مدينة استراتيجية
بكل المعايير السياسية،والاقتصادية،والعسكرية،
والإعلامية.وبالتالي كان من المناسب أن قراءة
خروجه صلى الله عليه وسلم إليها قراءة سياسية
فاحصة تربط الوقائع بالواقع،والعتيق بالجديد،والنص
بظلاله الحركي.
أماالفصل الثاني:الابعاد السياسية لخروجه إلى
الطائف:فقد تناولت فيه خمسة أبعاد،الأول:البعد
العسكري:أي من جملة الأسباب الرئيسة التي توافرت
لدى لرسول الله لاختيار الطائف بديلا عن مكة مقرا
استراتيجيا للدولته دون غيرها من المدن لكونها
تحتل موقعا استراتيجيا،حيث أنها تقع في أعالي
الجبال فهي ممتنعة بذاتها ، والطريق إليها طريق
جبلية وعرة تؤمن الحماية لأصحاب رسول الله
المتسللين من مكة إليها ، إذا قدر الله للدولة
الإسلامية أن تقوم في الطائف ذات الحصون
.هذا
من ناحية الموقع الاستراتيجي،أما من ناحية قوة
ثقيف بين القبائل الأخرى فهي تعتبر
قوة استراتيجية ضاربة في المنطقة بأسرها،فأهلها
أهل شجاعة وإقدام،ولهم تمرس بالحروب وخبرة واسعة
فيها،ولهم فضل وسبق في كثير من مفاخر العرب
ومآثرهم،وهم سند قوي للدولة الوليدة إذا ما أقيمت
بين ظهرانيهم
.
البعد الثاني:سياسي:لا ريب أن الفكر السياسي
والتحرك العسكري بشقيه الهجومي والدفاعي بعضه من
بعض لا انفصام بينهما،فالسياسي الماهر هو الذي
يجيد فن استخدام السلاح،متى وأين،ولمن،وكيف؟وكذلك
العسكري الماهر هو الذي يجيد فن استخدام آلة العقل
والتفكير في حالات الحرب والسلم،وفي حالات الإقدام
والإحجام،وفي حالات القوة والضعف.وبهذه
المفاهيم،وتلك الأبعاد كانت تتحرك القيادة
الإسلامية في تأسيس قواعد الدولة الوليدة في إطار
ما هو كائن من الأعراف والتقاليد السياسية نحو ما
يجب أن يكون من خلال المبادئ القرآنية، والمنظومة
الاستراتيجية لهذه المرحلة الهامة من مراحل
التأسيس والبناء ضمن الخارطة السياسية للمنطقة
العربية الداخلية والخارجية
.
البعد الثالث:اقتصادي.معلوم أن رئاسة الحركة
التجارية والأسواق المالية بعد اضطراب دولة
اليمن،التي كانت تعتبر حاضرة الجزيرة العربية في
الحركة التجارية والأسواق المالية،وسقوطها سقوطا
مروعا،انتقلت رئاسة الحركة التجارية وزعامة
الأسواق المالية إلى أهل الشمال(الحجاز)مكة
والطائف اللتين تعتبران حاضرة الحجاز في الأسواق
والحركة التجارية.فقد استطاع أهل الحجاز استثمار
هذا الحدث السياسي والتحول الاقتصادي أيما استثمار
حيث جعلوا من الحجاز وخاصة مكة والطائف سوقاً
إقليمية حرة،وبرصة تجارية للحركة المالية في
المنطقة،وذلك بإقامة مركز عكاظ التجاري،وذي المجاز
وذي المجنة المالي،مما جعل أهل الاقتصاد والسياسة
والتجارة والأدب من العرب قاطبة يتوجهون إلى هذه
القِبلة الاقتصادية والسياسية والأدبية الجديدة
لكسب المال،والتعرف على الأحوال،والتقاط ما يجد من
أخبار.فلما أحست القيادة السياسية والاقتصادية
بمكة والطائف بهذا التوجه العربي نحوهما،قامت
بتطوير هذه التجمعات التجارية الكبرى،والأسواق
العالمية الحرة،وتطويقهمابشبكة تحالفات سياسية
واقتصادية قوية،للحفاظ على هذا المشروع القومي
الاستراتيجي الذي به يكونون الوسطاء الجدد في
التجارة العربية والدولية،وسادة الزعامة السياسية
في المنطقة.قال تعالى مصورا هذه الشبكة،وممتنا
عليهم بهذه النعمة:{لإيلاف قريش،إيلافهم رحلة
الشتاء والصيف،فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم
من جوع،وءامنهم من خوف} والإيلاف هي عهود بينهم
وبين الملوك،فكان هاشم يؤلف ملك الشام،والمطلب
كسرى،وعبد شمس ونوفل يؤلفان ملك مصر والحبشة،ومعنى
يؤالف يعاهد ويصالح.
يتبع>> |