|
تجريم ثقافة السؤال
قيل
إن السؤال نصف العلم ، فإذا ما جُرم السؤال ،
وحُرم التساؤل ، انتفى بالضرورة النصف الآخر ،
فتصير المعلومات ؛ إما مغلوطة أو منكوسة ، فيصبح
العلم والجهل ، والمعرفة والثقافة وعدمها في ميزان
العقل والعلم سواء بسواء مثلا بمثل !! وبالتالي
يصنف حملة المعلومات المغلوطة بالضرورة في عداد
جمهرة المتخلفين شكلا ومضمونا !!
والغريب أن من يتأمل القرآن الكريم الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، يرى غير ما نرى
في واقعنا المعيش ، فأنه يرى الإدانة الكاملة
لممارسة أي عملية تجهيلية ضد الإنسان سواء ؛
بتجريم السؤال أو تحريم التساؤل ، أو بتزويده
بمعلومات مغلوطة ، فالقرآن منذ نزوله على سيد
الأولين والآخرين فتح باب ثقافة السؤال والتساؤل
على مصراعيه ، ونفض عن الوعي والشعور والعقل كل ما
علق به من أوهام بيئات التخلف وصار كل شيء موضع
تساؤل وتفهم ، لذلك جاء الأمر الرباني بالتفكر ،
والتدبر ، والحوار ، والمجادلة ؛ في الإيمان ،
والأحكام ، والعبر( يسألونك الخمر والميسير ... عن
الأهلة ... وعن اليتام ..وعن الاشهر الحرم ، وعن
المحيض ، وعن الروح ، وعن ذي القرنين ، وأسألهم ما
بال النسوة ، وأسألهم عن القرية ، وأسأل من أرسلنا
من قبلك ، واسألوا أهل الذكر ... وهلم جرا
وبهذا
الخطاب الرباني أُخرجت خير أمة للناس ، وتمثل ذلك
في جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، ثم حين
أخذت الأمة في التراجع عن ذلك المنهج الرباني
والهدي النبوي ، وبات القرآن الكريم كتابا للحفظ
والبركة فقط ، بدأ الناس في تأصيل كيفية تجريم
ثقافة السؤال ، وتأسيس العقلية التحريمية التي
تجرم النظر في فهم الدليل أو التاريخ أو الواقع ،
وإعداد أجوبة جاهزة لتكريس حالات التقليد ، وتكييف
الفوضى والانحراف عن المنهج القراني والهدي النبوي
!!
وهكذا
استقر الأمر في أذهان الناس أن أمة محمد صلى الله
عليه وسلم ما انفكت عن تلك الخيرية الأولى ، وأن
ما هم فيه من التقدم والتحضرأفضل بكثير من واقع
الأمم الآخرى ، وأن الحضارة الغربية ساقطة لا
محالة ، وأنهم – بهذا الواقع المزري – يحسبون أنهم
خلفاء الأرض من بعدهم !!
ثم
تأتي آثار البيئة على التربية ، ومناهج التعليم
القائم على التلقين ، والعلاقة بين الأساتذة
والتلاميذ ، والمشائخ والطلاب ، والقادة والجند ،
لتكمل حلقة التخلف ، ولتكبت ما فطر الباري عليه
البشر من حب التساؤل ، ورغبة التطلع إلى فهم ما
يسمع ، وما يقرأ ، وما يقال له ( فطرة الله التي
فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )!!
لذلك
أضحت مراجعة الأب تعد من قلة الآدب ، وسؤال
الأستاذ يعتبر عدم ثقة فيه ، ومناقشة الشيخ تجرؤ
على مكانته ، واستفهام القائد شك في قدرته ،
والتساؤل في إطار مكونات الحزب نقص في التربية
الحزبية ، وتقييم تجربة ما قدح في ذوات الفاعلين
.. وهلم جرا !!
كل
هذا ، ونظريات التعليم والتفكير الحديثة تعتبر
القدرة على طرح الأسئلة ، وإبداء الاستفهامات ،
وتسجيل الملاحظات ، وعقد المقاربات والمقارنات ،
أمارة على الذكاء ، وجودة الفهم ؛ وكمال العقل !!
فسبحان الله !! لا القرآن الكريم والهدي النبوي
فهمناه ، ولا النظريات التعليمية الحديثة أخذنا
بها ، ولا المجال للعقلاء اتحناه ، ونريد بعد كل
ذلك قيادة العالم !!
الرجوع
|