الأديان ...
وفلسفة الصوم
ثمة تقاطع واضح بين كل الديانات السماوية
والأرضية في فلسفة الصوم ومقاصده من حيث التعبد
الصرف، ودوره في تزكية النفس، وتعذيب الجسد،
وإيصال الرسائل السياسية.فمنهم من يصوم من أجل
تعذيب وتدريب الجسد على الانقياد والطاعة (
كالهندوس والبوذية والمذاهب الشرقية في الصين
واليابان). ومنهم من يصوم من أجل تكفير
الذنوب(كاليهود وغيرهم). ومنهم من يصوم من أجل سمو
الروح ونيل التقى(كالمسيحين والمسلمين). ومنهم من
يصوم من أجل إيصال رسالة سياسية وتسجيل مواقف
سياسية ضد أوضاع سياسية أو قانونية أو عرفية معينة
كما فعله غاندي ويفعله بعض الرموز السياسية داخل
السجون.ولكن رغم هذا التقاطع أو التناغم بين هذه
الديانات في فلسفة الصوم إلا أن الاختلاف لازال
قائما بينها حول زمن الصيام، ووقته، ومدته،
ونوعه، وهيئة.
فمثلا الديانة الهندية وهي ديانة أرضية لها صوم
يبلغ أربعة وعشرين يوما في السنة؛ يومين كل شهر
وهما الحادي عشر والثاني عشر من كل شهر. وهناك
طائفة منها تصوم أربعين يوما متواصلة دون إنقطاع،
وهم في هذا الصيام يكفون فيه عن الطعام ويسهرون
الليل كله على تلاوة كتبهم المقدسة تقربا إلى
الآلهة. ولهم أيام مخصوصة لا يصومها إلى النساء(
انظر مقال تاريخ الصيام لأبي الحسن الندوي)
كذلك الفراعنة بمصر كان لهم نوعان من الصيام،صيام
الكهنة، وصيام الشعب، وهذه التقسيم يدور في فلك
الواجب والمستحب.ويبتدئي الصوم عندهم من طلوع
الشمس إلى غروبها إذ يمتنعون عن تناول الطعام
ومعاشرة النساء. أيضا وردت نصوص في كتب التاريخ
تثبت أن للديانة المجوسية صوما منه ما هو مرتبط
بصوم العامة وهي أيام متفرقة من أيام السنة، ومنه
ما هو مرتبط بصوم الخاصة من الزعماء الدينين،
وهذا الصيام يصل إلى قرابة خمسة سنوات على
التوالي.
كذلك عرفت أرض الرافدين الصيام من خلال أهل بابل
والديانة الصابئية،حيث كان أهل بابل يصومون قرابة
ثلاثين يوما متفرقة من السنة يمتنعون فيها عن
الطعام والشراب من الشروق إلى الغروب. أيضا فإن
الصابئة لها صوم متفرق خلال العام كله تصل إلى
ثلاثة وثلاثون يوما.
ويبدو أن تشريع أحكام الصيام في الديانات السماوية
اللاحقة للهندوسية والبابلية والفرعونية والمجوسية
والصابئية قد تأثر بشيء من تلك العادات في أحكام
الصوم من حيث زمنه، ومدته، ووقته، ونوعه، وهيئته.
ولعل هذا التأثير كان مردوه إلى سهمية الوحي التي
عادة ما يراعي ظروف بيئة المتلقي من ناحية الزمان
والمكان والانسان ويخاطبه بما يصلح دينه ودنياه في
إطار المستطاع( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
فمثلا لو تأملنا في فلسفة تشريع الصوم في الديانة
اليهودية نجد أنها قد أخذت مما سبقها من الديانات
مع تطوير أو تبديل في المقاصد والأحكام بما يناسب
المتلقي لشريعة التوراة(العهد القديم)، فكان من
مقاصد الصوم في التوراة أنه يختلف بأختلاف قصد
الصيام فإن كان من الخاصة الذين يعدون أنفسهم
للفتوحات الإلهية من إلهام أو إستعدادا لنبوة أو
ما شكل ذلك فإن أحكام صيامه تختلف في مدته ونوعه
عن صيام العامة، لأن صيام العامة ليس استعددا
لإلهام أو نبوة أو فتوحات إلهية وإنما صيام يرمز
إلى طلب المغفرة وتكفير الذنوب ورفع المعانات
والشدائد الفردية والجماعية. علما بأن عدد أيام
الصيام في الديانة اليهودية لا تتجاوز خمسة وعشرين
يوما متفرقة تدور بين الواجب والمستحب، ويمتد صيام
فيها من الشروق إلى ظهور أو نجوم الليل، وفي بعض
الأوقات من المساء إلى المساء حسب نوع الصيام ونية
المتقرب.
فقد جاء فى التلمود ( إن أول نهار الصيام في الوقت
الذى يقدر المرء فيه أن يتبين الخيط الأبيض من
الخيط الأزرق ). وفي
بعض الأوقات يقومون بعملية تقديم وتأخير للصوم عن
شهر رمضان نظرا لظروفهم الصحية أو البيئية كما ذكر
الزمخشري في كشافة عند حديثه عن الصوم، فقال:وقيل
معناه: أنه كصومهم في عدد الأيام وهو شهر رمضان،
كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان، فزادوا عشراً
قبله وعشراً بعده. فجعلوه خمسين يوماً. وقيل: كان
وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد، فشقّ عليهم
في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين الشتاء والربيع،
وزادوا عشرين يوماً كفارة لتحويله عن وقته.(تفسير
الكشاف)
وبقراءة سهمية متحركة للأمام نجد أن الصيام في
الأنجيل( العهد الجديد) لم يكن مختلفا كثيرا عن
صيام العهد القديم ( التوراة ) صيام الكفارة أو
القربة، حيث أن المسيح قد صام أربعين يوماً إما
إقتداء بصوم موسى أو كان استعدادا لتلقيه التكليف
بالنبوة، واللافت للنظر تنوع الصيام في المسيحية
بتنوع المذهب ومكان الإقامة، فهنالك الصوم عن
الكلام كصوم مريم، والصوم عن بعض أنواع المآكولات
والمشروبات، والصوم في ليلة واحدة، وصوم بالنهار
ولليل، وصوم أربعين يوما،وصوم ملزم وصوم مستحب
وهلم جرا.
ويبدو أن هذه الأنواع المختلفة في مدتها وهيئتها
وقصدها تتباين باختلاف المذهب والمكان والانسان
والزمان، فمثلا مسيحو روما يختلفون عن مسيحي
فلسطين أو مصر في زمن الصوم ووقته وأنواع الأشياء
التي ينبغي الإمساك عنها في فترة الصيام وهكذا
دواليك. ولكن الصيام في المسيحية على الجملة ينحى
منح سمو الروح دون القصد إلى تعذيب الجسد، فقد جاء
في انجيل متى( ومتي صمتم فلا تكونوا عابسين
كالمرائين، فانهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس
صائمين. الحق أقول لكم: انهم قد استوفوا أجرهم.
وأما أنت متي صمت فادهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا
تظهر للناس صائماً، بل لأبيك الذي في الخفاء.
فأبوك الذي يري في الخفاء يجازيك علانية) ولعل هذه
المقاصد تتفق مع مقاصد تشريع الصوم في القرآن حيث
جعل القرآن الكريم مآل مقاصد تشريع الصوم إلى تقوى
وسمو روح العابد فقال تعالى بعد أن ذكر آيات
الصيام (...ولعلكم تتقون).
وبقراءة سهمية لما بعد العهد الجديد( الانجيل )
وقبل نزول القرآن نجد أن الصيام والخلوة والأهتمام
بسمو الروح في العرف الجاهلي قبل الإسلام كان
منتشرا حيث كان من نسك قريش في الجاهلية أن يذهب
من أراد التحنث منهم مما كان من المتألهين أو
المتحنفين إلى حراء، وأن يأخذ معه الزاد فيطعم
هناك من جاءه من المساكين، وكانوا يفعلون ذلك في
شهر رمضان، قال ابن الاثير وأول من تحنث بحراء
عبدالمطلب فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم
المساكين، ثم تبعه على ذلك من كان يتاله كورقة بن
نوفل وأبي أمية بن المغيرة.(السيرة الحلبية)
وكان النبي قبل نبؤته يذهب إلى غار حراء يطعم
المساكين جريا على هذه العادة. كما ذكر ابن كثير
قال:كان رسول الله يخرج إلى حراء في كل عام شهرا
من السنة يتنسك فيه. وكان من نسك قريش في
الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف
من مجاورته وقضائه لم يدخل بيته حتى يطوف
بالكعبة.(البداية والنهاية)، وقد ذكر البخاري في
كتاب بدء الوحي عن عائشة أنها قالت: أول ما
بُدِىءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي
الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا
جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان
يخلو بغار حِراء؛ فيتَحَنَّثُ فيه ـ وهو التعبد ـ
الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود
لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، ويتزود لمثلها، حتى جاءه
الحق، وهو في غار حراء.(البخاري)
وفي هذه المدة التي حببت فيها إليه الخلوة اتفق أن
جاء شهر رمضان الذي كان يخرج فيه إلى حراء جريا
على عادة المتألهين من قريش، فرأى النبي أن مجيء
رمضان وهو على تلك الحالة من حب الخلوة فرصة له
ينتهزها للاختلاء في حراء والانقطاع فيه عن الناس
ليتسنى له التفكير فيما يريد. وقد ذكر ابن كثير
حزمة من الروايات في هذا السياق ثم قال: وهذا يدل
على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش، أنهم
يجاورون في حراء للعبادة. (البداية والنهاية) وقد
اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل
كان على شرع أم لا؟ وما ذلك الشرع؟ فقيل: شرع نوح،
وقيل: شرع إبراهيم، وهو الأشبه الأقوى. وقيل:
موسى، وقيل: عيسى، وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده
اتبعه، وعمل به.(البداية والنهاية)
ويبدو أن الغرض من الخلوة كان بغية تحقيق عبادة
الفكر وليست عبادة الذكر رجاءا في نيل خير عظيم من
الله سبحانه.وقد اشار ابن أبي جمرة في شرحه لحديث
عائشة السابق إلى ذلك بقوله: في الحديث دليل على
أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل عن الناس وخلا
بنفسه، أتاه هذا الخير العظيم، وكل أحد امتثل ذلك
أتاه الخير بحسب ما قسم له من مقامات الولاية
.(فتح البارى)
ويبدو أنه اتفق للنبي في خلوته الثالثة والأخيرة
قدوم شهر رمضان، حيث ذكرت المصادر التاريخية أن
خروجه الأخير إلى غار حراء كان في شهر رمضان، كما
ذكر ابن كثير أنه قال: والمشهور أنه بعث عليه
الصلاة والسلام في شهر رمضان، كما نصَّ على ذلك
عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق، وغيرهما. قال ابن
إسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى: شهر
رمضان الذي أنزل فيه القرآن. وروى الواقدي بسنده
عن أبي جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحي إلى
رسول الله يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من
رمضان، وقيل في الرابع والعشرين منه.
واللافت للنظر أن الشرائع السماوية (صحف إبراهيم،
والزبور،
والتوراة،
والانجيل،
والقرآن) كلها قد نزلت في شهر رمضان، فهذا الإمام
أحمد يذكر عن واثلة بن الأسقع، أن رسول الله قال
أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت
التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة
ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت
من رمضان . (البداية والنهاية)
ولعل هذا النص يعلل سبب انتشار عبادة الصوم في كل
الديانات وإن اختلفت هذه الشعيرة في أحكامها؛من
الواجب والمستحب. واختلفت في وقتها؛من مضيق وموسع
ومخير ومحدد. واختلفت في مدتها؛من يوم إلى
شهر،واختلفت في هيئتها وأنواعها؛ من إمساك عن
الكلام إلى امتناع من أنواع الأكل والشراب إلى
الإمساك عن الطعام والشراب والجماع دون الكلام
وهكذا دواليك.
ويبدو أن تشريع شعيرة الصوم في الإسلام قد استفاد
من كل ما سبقه من تشريعات ورسائل سماوية حيث جعل
الصوم محددا بشهر وبوقت وذلك صيام عن الآكل
والشراب والجماع فقط، وذلك بغية سمو روح الصائم
دون تعذيب الجسد وصولا إلى تقوى الباري
سبحانه(...لعلكم تتقون...ولعلكم تشكرون)
فبعد وصول رسول الله إلى المدينة واستقرار وضع
الناس فيها كان هذا التشريع النهائي في الصوم قد
نزل بهذا الوضوح من حيث الزمان والوقت والهيئة
وتحديد أصناف الناس وتقرير الرخصة والعزيمة في
مقاصد هذا التشريع ليتسنى للصائم في كل زمان
والمكان أن يلج مدرسة الصوم وسمو الروح وتنقيتها
من الأدران في إطار الرخصة والعزيمة حسب طاقته
وقدرته خروجا بهذا التشريع من طور العادة
الاجتماعية إلى مصاف العبادة الربانية،ومن تعذيب
الجسد إلى سمو الروح، فقال تعالى: يا أيها الذين
آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات، فمن كان منكم
مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر. وعلى الذين
يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرا فهو خير
له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون...... يريد
الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة
ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.
فالشهر معلوم( شهر رمضان )، وأصحاب الأعذار تم
تحديدهم؛مريض ومسافر( فعدة من أيام أخر )،ومن ليس
بمريض ولا مسافر أي مقيم ومعافى ولكنه يجد في
صيامه من المشقة والتكلف ما يفسد عليه مقاصد الصوم
أصلا ويعكر معاشه فعليه حينئذ إعطاء الفدية ولا
قضاء عليه( والذين يطيقونه فدية طعام مسكين).
كما قال عن ابن عبـاس في تفسيره لهذه الآية: هي
للناس الـيوم قائمة. وكان يقول: لـيست بـمنسوخة.(
انظر تفسير ابن جرير الطبري )
بهذا الوضوح والإحكام في تشريع الصوم وقصديته في
إطار عزيمته ورخصته انتهى تشريع الصوم وبقىيت
علّية تنزيله وسهمية تدرجه قائمة ولا ناسخ ولا
منسوخ في الكتاب.كما قال الرازي في تفسيره الكبير
بعد أن ذكر أراء متعددة في نسخ آية ( وعلى الذين
يطيقونه فدية..) قال:أن
القائلين بأن هذه الآية منسوخة اتفقوا على أن
ناسخها آية شهود الشهر، وذلك غير جائز لأنه تعالى
قال في آخر تلك الآية:( يريد الله بكم اليسر ولا
يريد بكم العسر)، ولو كانت الآية ناسخة لهذا لما
كان قوله: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر ) لائقاً بهذا الموضع، لأن هذا التقدير أوجب
الصوم على سبيل التضييق، ورفع وجوبه على سبيل
التخيير، فكان ذلك رفعا لليسر وإثباتا للعسر فكيف
يليق به أن يقول: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر) . ( انظر: التفسير الكبير للرازي
)