فإذا كان الاطار الزماني لمراجعة الجماعات
الجهادية -كما مر- يبدأ بعد فشل صراعها
العسكري مع المؤسسة العسكرية للأنظمة الحاكمة،
مرورا بسجن قياداتها واعضائها، وانتهاءا
بإعلان التوبة الفكرية من قبل الجماعة واطلاق
العهود باخلاء سبيلها من قبل السلطة الحاكمة.
فإن الاطار المكاني لهذه المراجعات –كما لا
يخفى- كان هو السجن وما أدراك ما السجن خاصة
سجون الانظمة العربية المستبدة، حيث التعذيب
الجسدي والحرمان العاطفي والقهر النفسي
والجفاف الثقافي، باختصار في ظل غياب كل
القوانين الانسانية خلا قانون القوة.
وفي هذه الاجواء اللاانسانية واللاقانونية
يطرح على السجين فكرة مراجعة أفكاره، علما بأن
القاسم المشترك لهؤلاء المساجين هو الحديث عن
الماضي وليس عن الحاضر والمستقبل لأن السجين
من اعضاء هذه الجماعات في سجون هذه الأنظمة
المستبدة بمجرد اعتقاله لا ينفك خياله عن تصور
نهايته إما أن تزهق روحه تحت سياط التعذيب حال
الاستجواب، أو تعلق على حبل مشنقة بمحكمة
صورية، وفي هذه الحالة يكون حاضره ومستقبله
كأنهما قد زالا تماما من خاطره ومخياله ولم
يبق له هول السجون في ذاكرته إلا ما مضى من
معلومات وأفكار وذكريات حميمة في مسيرة الطلب
والمدارسة والمصاولة، وهنا يجتمع عليه ضيق
المكان وضيق الأفق الذي يسد عليه الآفاق
واستشراف المستقبل ويلجئه إلى الاحتماء
بالماضي بتمجيدية مفرطة حيث يجد نفسه أمام كم
ضخم من مراجع ومدونات إسلام التاريخ، حيث
الفتاوى المتعددة والاتفاقات المضطربة
والاجماعات المختلفة وكلها مدونة بمعزل عن
سياقها التاريخي ومساقها الثقافي والاجتماعي
والسياسي، فأنى له أن ينفك عن النمطية
والانتقائية إلى النقد والتجديد ويقدم مراجعة
جادة لفكره السلفي التقليدي تتجاوز الزمان
والمكان بأستشراف حاضر متطور ومستقبل زاهي
تتفاخر به الأجيال القادمة.
وأحسب أن نظرة سريعة على نموذجين من مراجعات
جماعة الإخوان المسلمين في الستينيات داخل
سجون النظام المصري إبان عهد جمال عبدالناصر
تضعنا أمام حقيقة علمية مفادها أن المراجعات
داخل السجون عادة ما يتجاذبها طرفان، طرف يميل
إلى الأفراط وطرف ينحى منحى التفريط، وكلا
الطرفين يمارس عملية المراجعة بعقل إحالي
محتميا بإسلام التاريخ من أقوال الأسلاف
وفتاويهم فيربك الحاضر والمستقبل أكثر من
تقديم رؤية حضارية تنهض بالواقع وتستشرف
المستقبل.
فمثلا مراجعة الاستاذ سيد قطب لفكره الإخواني
داخل سجن ليمان طرة مالت إلى طرف الغلو حيث
تبنت قضية تكفير الحاكم والخروج عليه بأنها
شرط الإيمان وأسه، وتمادت إلى تكفير من لم
يعتقد بتحكيم الشريعة والتحاكم إليها من عموم
الناس وإن تلفظ بالشهادتين وجاء بأركان
الاسلام، ولعل مطالعة سريعة لكتابي سيد قطب
(معالم في الطريق)،و(في ظلال القرآن) كفيلة
بالتعرف على هذه الحقيقة؛ حقيقة وصفه للنظام
والمجتمع معا بالجاهلية، حتى وصل ببعض
القيادات الإخوانية فيما بعد بنعت مراجعة قطب
بأنها تكفيرية وأنها نتاج فقه المحنة، كما جاء
ذلك على لسان الشيخ القرضاوي والشيخ جعفر شيخ
أدريس.
بينما ذهبت المراجعة الثانية التي قام بها
الاستاذ حسن الهضيبي مرشد الاخوان من داخل
سجنه في ليمان طرة إلى الطرف النقيض لمراجعة
سيد قطب، حيث رفعت شعار إسلام الحاكم الذي لا
يحكم بما أنزل الله وعدم الخروج عليه،كذلك إلى
إسلام من تلفظ بالشهادتين وإن تلبس بنواقضها،
وذلك في كتابه المشهور بـ(دعاة لا قضاة). وقد
وصفت هذه المراجعة من قبل الكثير من القيادات
الاسلامية بأنها دراسة تؤصل لفكر الارجاء من
حيث تفريغ الشهادتين وأحكام الاسلام من
مضامينه.
ومن المفارقة العجيبة أن فكر الجماعات
الجهادية والجماعات المسالمة قد تأسستا على
تلك المراجعتين القطبية والهضيبة، فالجهادية
قامت على فكر وآدبيات كتابات سيد قطب وخيارته
السلفية من خلال معالم في الطريق،بينما قامت
الجماعات المسالمة على مراجعات الهضيبي
وخيارته السلفية من خلال دعاة لا قضاة،
واللافت للنظر أن كلا المراجعتين القطبية
والهضيبة أرتكزت على مدونات إسلام التاريخ
وأقوال السلف بعقل تمجيدي.