بعد أن تضافرت النصوص المنسوبة للرسول، وانعقد الاجماع على أن الإمامة السياسية والدينية في قريش لا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد اللقاء التفاهمي الذي تم بين أمير المؤمنين في الحكم (هارون الرشيد القرشي)وأمير المؤمنين في العلم(محمد ابن إدريس الشافعي القرشي)، قدم الأول أراء واجتهادات الثاني كقول فصل في الفكر والاجتهاد والرأي، لدرجة أنه استنكر على بعض الفقهاء (كمحمد بن الحسن) من مناظرة أو مخالفة الشافعي

 

 

في حقيقة الأمر أن قراءة العقل العربي من خلال رصد ظاهرة حب التضخيم والمبالغة والخرافة، وأثر الفكر الفارسي والهندي المشبع بفلسفة الاسطورة على العقل العربي، تجعل إمكانية تفسير أسباب الغلو في الانبياء والصالحين؛

 

 تفسيرا فلسفيا منطقيا، فقد ثبت بالمتابعة والملاحظة التاريخية فما أن يغادر نبي أو رسول من رسل الله الكرام هذه الدنيا حتى تبدأ الاسطورة تتشكل في أذهان اتباعه، ثم يتفرق الناس في ذلك شيع وفرق، فقد غال أتباع موسى وعيسى فيهما، وتفرقوا عنهما أحزابا (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون).

 

وهذه حقيقة ومن طبيعة الحقيقة أن لا تتحمل الأمر غير الحقيقي. 

 

 

 

 

نقد مراجعات جماعات الجهاد

وردت إليّ رسالة شفوية من قيادات الجماعة الاسلامية المقاتلة الليبية من داخل سجن ابو سليم القابع في مدينة طرابلس عاصمة ليبيا، وكان مضمون هذه الرسالة  طلب رأي الشخصي في عملية المراجعة التي قامت بها الجماعة مؤخرا وصدرت في كتاب تحت عنوان(دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة). وقبل تسجيل قراءتي حول هذه الدراسة ومراجعات الجماعات الجهادية السابقة أتمنى من الله سبحانه أن تصلهم هذه القراءة وهم خارج السجن مع ذويهم وأقاربهم يتمتعون بكامل حريتهم في الرأي والموقف بعيدا عن إكراهات السياسة وضغوطات الحرمان. وقراءتي لهذه المراجعات سوف تكون من خلال نقاط ثلاثة، النقطة الأولى: في زمان ومكان المراجعة. النقطة الثانية: المراجعة والمأزق الفكري. والنقطة الثالثة: المراجعة والمأزق السياسي.

النقطة الأولى: قراءة في الاطار الزماني والمكاني.

أولا: في الاطار الزماني: هكذا يبدو وجه الاتفاق في الاطار الزماني لجل مراجعات جماعات الجهاد حيث أنها تأتي بعد زمن المصادمة مع الأنظمة القائمة وفشلها في إجتثات خصومها وإحداث الانقلاب المنشود، وعادة ما يؤول توابع الأحداث ببعض قيادات واعضاء الجماعات إلى المعتقلات وما يستصحب هذه الاعتقالات من تعذيب بطريقة وحشية لا تطاق وحرمان من أبسط الحقوق الانسانية، وفي هذا الإطار الحرماني تأتي المراجعة.

فمثلا الجماعة الإسلامية المصرية كانت مراجعتها بعد صراع عسكري مع أجهزة الدولة المصرية دام أكثر من عشرين عاما راح ضحيته أعداد غفيرة من أعضاء الجماعة ورجال الأمن والاستخبارات والشرطة والجيش، بل ولم ينجو من هذه المصادمات حتى موظفي مؤسسات الدولة المدنية كالإعلام والسياحة والاقتصاد. علما بأن الجماعة طيلة هذه الفترة الممتدة من عام 1981م إلى 2000م لم تفكر بمراجعة جادة في أصولها الفكرية وأطرها الحركية، ولكن بمجرد اعتقال قياداتها وفشل مشروعها العسكري في إحداث الانقلاب كانت المراجعة الخجولة في إطار الانتقائية من دائرة إسلام التاريخ. كذلك مراجعة جماعة الجهاد المصرية بقيادة سيد إمام المعروف(بالدكتور فضل) المنظر الأول للجماعة وصاحب كتاب (العمدة في إعداد العدة)، وكتاب(الجامع في طلب العلم الشريف)، فقد كانت مراجعته المسماة بوثيقة (ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم) بعد اعتقاله في سجن العقرب وما صاحب ذلك من مقتضيات الاعتقال المعروف لدى الجميع.

وذات الكلام يقال عن الجماعة المقاتلة الليبية حيث كانت مراجعتها بعد مصادمة دموية بين اعضائها ورجال المؤسسة العسكرية الليبية من شرطة وجيش وأمن والتي راح ضحيتها الكم الكبير من كلا الطرفين، وبعد اعتقال قياداتها وجمهرة من اعضائها اصدرت الجماعة مراجعتها في كتاب ضحم تحت عنوان (دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة) والذي لم يخرج عن المنهج الانتقائي من إسلام التاريخ؛ أي الانتقال من خيار فقهي إلى خيار أخر ولكن دون نقد لمرجعية السلف وسطوة الماضي على الحاضر.

وفي الاطار الزمني ذاته وقبل مراجعة الجماعة المصرية كانت مراجعة الدكتور سلمان العودة الداعم النشط فكريا وماليا لهذه الجماعات والذي كان يؤمن بمشروع اسقاط شرعية الانظمة السائدة ودعوته للتمرد عليها ولكن بطرق ناعمة، حيث كانت مراجعته بعد سجنه لعدة سنوات من قبل النظام السعودي، في إطار مناقشات جادة وحادة معه بذات اللغة السلفية من قبل شيوخ بلاده، وقد اسفرت على تبني العودة رأيا  استراتيجيا مغايرا لرأيه الذي قاتل من أجله بوسائله الناعمة قبل إعتقاله؛ حيث تبنى عدم اسقاط شرعية النظام السعودي والقبول ببيعته والخضوع لسلطته كولي أمر للمسلمين، ومن ثم عدم الخروج عليه وتجريم وتأثيم الخارج على سلطته، ومعلوم أن هذا الموقف يعد هدما استراتيجيا لأهم عقيدة تتبناها الجماعات المناوئة للأنظمة العلمانية والسلطوية في المنطقة.

ثانيا: قراء في الاطار المكاني

فإذا كان الاطار الزماني لمراجعة الجماعات الجهادية -كما مر- يبدأ بعد فشل صراعها العسكري مع المؤسسة العسكرية للأنظمة الحاكمة، مرورا بسجن قياداتها واعضائها، وانتهاءا بإعلان التوبة الفكرية من قبل الجماعة واطلاق العهود باخلاء سبيلها من قبل السلطة الحاكمة. فإن الاطار المكاني لهذه المراجعات –كما لا يخفى- كان هو السجن وما أدراك ما السجن خاصة سجون الانظمة العربية المستبدة، حيث التعذيب الجسدي والحرمان العاطفي والقهر النفسي والجفاف الثقافي، باختصار  في ظل غياب كل القوانين الانسانية خلا قانون القوة.

وفي هذه الاجواء اللاانسانية واللاقانونية يطرح على السجين فكرة مراجعة أفكاره، علما بأن القاسم المشترك لهؤلاء المساجين هو الحديث عن الماضي وليس عن الحاضر والمستقبل لأن السجين من اعضاء هذه الجماعات في سجون هذه الأنظمة المستبدة بمجرد اعتقاله لا ينفك خياله عن تصور نهايته إما أن تزهق روحه تحت سياط التعذيب حال الاستجواب، أو تعلق على حبل مشنقة بمحكمة صورية، وفي هذه الحالة يكون حاضره ومستقبله كأنهما قد زالا تماما من خاطره ومخياله ولم يبق له هول السجون في ذاكرته إلا ما مضى من معلومات وأفكار وذكريات حميمة في مسيرة الطلب والمدارسة والمصاولة، وهنا يجتمع عليه ضيق المكان وضيق الأفق الذي يسد عليه الآفاق واستشراف المستقبل ويلجئه إلى الاحتماء بالماضي بتمجيدية مفرطة حيث يجد نفسه أمام كم ضخم من مراجع ومدونات إسلام التاريخ، حيث الفتاوى المتعددة والاتفاقات المضطربة والاجماعات المختلفة وكلها مدونة بمعزل عن سياقها التاريخي ومساقها الثقافي والاجتماعي والسياسي، فأنى له أن ينفك عن النمطية والانتقائية إلى النقد والتجديد ويقدم مراجعة جادة لفكره السلفي التقليدي تتجاوز الزمان والمكان بأستشراف حاضر متطور ومستقبل زاهي تتفاخر به الأجيال القادمة.

وأحسب أن نظرة سريعة على نموذجين من مراجعات جماعة الإخوان المسلمين في الستينيات داخل سجون النظام المصري إبان عهد جمال عبدالناصر تضعنا أمام حقيقة علمية مفادها أن المراجعات داخل السجون عادة ما يتجاذبها طرفان، طرف يميل إلى الأفراط وطرف ينحى منحى التفريط، وكلا الطرفين يمارس عملية المراجعة بعقل إحالي محتميا بإسلام التاريخ من أقوال الأسلاف وفتاويهم فيربك الحاضر والمستقبل أكثر من تقديم رؤية حضارية تنهض بالواقع وتستشرف المستقبل.

فمثلا مراجعة الاستاذ سيد قطب لفكره الإخواني داخل سجن ليمان طرة مالت إلى طرف الغلو حيث تبنت قضية تكفير الحاكم والخروج عليه بأنها شرط الإيمان وأسه، وتمادت إلى تكفير من لم يعتقد بتحكيم الشريعة والتحاكم إليها من عموم الناس وإن تلفظ بالشهادتين وجاء بأركان الاسلام، ولعل مطالعة سريعة لكتابي سيد قطب (معالم في الطريق)،و(في ظلال القرآن) كفيلة بالتعرف على هذه الحقيقة؛ حقيقة وصفه للنظام والمجتمع معا بالجاهلية، حتى وصل ببعض القيادات الإخوانية فيما بعد بنعت مراجعة قطب بأنها تكفيرية وأنها نتاج فقه المحنة، كما جاء ذلك على لسان الشيخ القرضاوي والشيخ جعفر شيخ أدريس.

بينما ذهبت المراجعة الثانية التي قام بها الاستاذ حسن الهضيبي مرشد الاخوان من داخل سجنه في ليمان طرة إلى الطرف النقيض لمراجعة سيد قطب، حيث رفعت شعار إسلام الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله وعدم الخروج عليه،كذلك إلى إسلام من تلفظ بالشهادتين وإن تلبس بنواقضها، وذلك في كتابه المشهور بـ(دعاة لا قضاة). وقد وصفت هذه المراجعة من قبل الكثير من القيادات الاسلامية بأنها دراسة تؤصل لفكر الارجاء من حيث تفريغ الشهادتين وأحكام الاسلام من مضامينه.

 ومن المفارقة العجيبة أن فكر الجماعات الجهادية والجماعات المسالمة قد تأسستا على تلك المراجعتين القطبية والهضيبة، فالجهادية قامت على فكر وآدبيات كتابات سيد قطب وخيارته السلفية من خلال معالم في الطريق،بينما قامت الجماعات المسالمة على مراجعات الهضيبي وخيارته السلفية من خلال دعاة لا قضاة، واللافت للنظر أن كلا المراجعتين القطبية والهضيبة أرتكزت على مدونات إسلام التاريخ وأقوال السلف بعقل تمجيدي.

 

الرجوع   >

الرئيسة   >

 

يسمح بالاستفادة من الموقع شريطة ذكر المصدر