|
الخاتمة
تناولت هذه الدراسة مسألة المعاملات الربوية
والعقود الفاسدة في غير ديار الإسلام،ذلك من خلال
فصول أربعة.
الفصل الأول:تم مناقشة إسناد المرسل،ومدى حجية
الاحتجاج به في المذاهب الفقهية وجمهرة من علماء
الأصول وأهل الحديث،ثم اشارت الدراسة إلى الفارق
بين المسند والمرسل في زمان كبار التابعين،وبينت
سبب كثرة إرسالهم واعتمادهم عليه في تلك الفترة،ثم
كانت ترجمة مكحول،وتوثيقه عند علماء الجرح
والتعديل،وحجية إرساله عند الفقهاء وأهل
العلم.لذلك ننبه على أمر ضروري في هذا السياق
مفاده:أن عملية الجرح والتعديل برمتها،وكلام أئمة
الجرح والتعديل هي من باب الاجتهاد والفعل
البشري،وليس من باب النصوص والأخبار المقدسة التي
ينبغي قبولها وعدم النظر فيها،كما
قال الباجي:أحوال المحدثين في الجرح والتعديل مما
يدرك بالاجتهاد ويعلم بضرب من النظر).وقال
المنذري:(وللحفاظ في الرجال مذاهب، فعلى كل واحد
منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد).فإذا
كانت عملية الجرح والتعديل برمتها
أمراً اجتهادياً ظنياً،فكيف
إذن يصير ظن المجتهد حجة على مجتهد آخر؟!
الفصل الثاني:أفرد لتحليل متن حديث مكحول من
الناحية الفقهية،حيث تناولت فيه أحكام الربا
وأنواعه وعلته،وأحكام الديارومناطاتها،وأثبتُّ
اختلاف الأحكام بأختلاف الديار،وميزت بين مهام
العلماء ووظائف الأمراء.
الفصل الثالث:تناولت فيه فلسفة التعامل بالعقود
الفاسدة وآثارها،وأن هذا المذهب معتبر حيث قال به
أئمة كبار من المذهبين الحنفي والمالكي
وغيرهما.وبينت أن فلسفة التعامل بالعقود الفاسدة
في غير دار الإسلام مردها إلى شرطي الايجاب
والقبول،والالتزم وعدم الخيانة،فإذا تحقق ذلك صح
التعامل والتداول،لأن الأحكام تختلف باختلاف
الديار،والأصل في المعاملات الحل،فتباح بما هي
أسباب مفضية إلى تحقيق مصلحة أو نفع،أو تقرير حق
أو إقامة عدل،وتمنع إذا كانت من الأسباب مفضية إلى
فساد،أو ظلم أو ضرر متحقق،كل ذلك يوزن بميزان
الشرع الذي لا يتناقض مع منطق العقل،ومكونات
الواقع.
الفصل الرابع:شرحت فيه أهم القرائن المحتفة
بمتن حديث مكحول،من قرائن
نصية،واجتهادية،ومقاصدية،واشرت فيه بأن القرائن في
ذاتها حجة بدون مرسل مكحول لأنها منطلقة من تضافر
نصوص،وقواعد اجتهادية،وكليات مقاصدية، والقصد من
الاهتمام بالمتن والقرائن المحتفة به،من باب إبراز
أن الاهتمام بالمتن هو في حقيقته اهتمام بكلام
الرسول صلى الله عليه وسلم،وأن فهم المتن من خلال
المبادئ القرآنية،والقواعد المقاصدية،ومراعاة
اختلاف الأحكام باختلاف الزمان والمكان
والانسان،كل ذلك يعين على فهم المتن فهما صحيحا
غير مختزل.وهنا تكمن قيمة مراعاة القرائن المحتفة
بالمتن،كما قال ابن تيمية:(فأما تأثير القرائن
الخارجة عن المخبرين في العلم بالخبر فلم
نذكره؛لأن تلك القرائن قد تفيد العلم لو تجردت عن
الخبر،وإذا كانت بنفسها قد تفيد العلم لم تجعل
تابعة للخبر على الاطلاق كما لم يجعل الخبر تابعا
لها).
وقد جمعت روايات أئمة المذاهب الثلاثة،وأقوال
غيرهم من كبار علماء السلف الذين قالوا بقول يوافق
فحوى حديث مكحول،وكان على رأس هؤلاء الإمام أبي
حنيفة،والإمام سفيان الثوري،والإمام إبراهيم
النخعي،والإمام محمد بن الحسن الشيباني،ومحمد بن
زفر ومن ورائه المذهب الحنفي كله،كذلك رواية عن
الإمام مالك،ورواية عن الإمام أحمد،وابن
رشد،والقرافي،واللخمي،وابن تيمية،وابــن مفلح
وغيرهم كثير،مما يجعل اتفاقهم واجتماعهم هذا،محل
تقدير واعتبار في ميزان الشرع،ومن ناحية
الاستدلال،ما يقلص من مدى حجية قول الجمهور في هذه
المسألة؛بل قد يرده جملة أو يجعله من القول
المرجوح. كما ذكر ابن تيمية في معنى الإجماع،حيث
قال:(أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من
الأحكام،وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام
لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم،فإن الأمة لا
تجتمع على ضلالة،ولكن كثير من المسائل يظن بعض
الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك،بل يكون
القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة ).
الأمر الذي يمهد السبيل إلى اعتبار هذه الأقوال
والروايات بمثابة شبه الاتفاق الذي يصلح الاعتماد
عليه واعتباره لمن ليس أهلا للاجتهاد،خاصة إذا
أحجم علماء عصرنا عن الاجتهاد في مسائل المعاملات
المالية بالنسبة للجالية المسلمة المقيمة إقامة
دائمة في غير ديار الإسلام،أو تجاهلوا اعتبار أهم
بعدي إفتاء الجالية،والمتمثلة في
بعدي(التوطين،والتأثير والتأثر الإيجابي)؛توطين
الإسلام من خلال الجالية والمحافظة على دينها،وأن
تكون جالية مسلمة مؤثرة في الواقع
والمواقع،ومتأثرة بالمفيد !!
وقد نوهت الدراسة إلى ضرورة اعتماد منهج الاستدلال
بطريق الاستقراء ومراعاة صيع العموم،واعتبار
المقاصد والمآلات،وأن إيقاع الأحكام على مناطاتها
ليس بأولى من معرفة دلالات الأحكام
واستناباطها.كما قال الإمام الغزالي:(وأشرف العلوم
ما ازودج فيه العقل والسمع،واصطحب فيه الرأي
والشرع،وعلم أصول الفقه من هذا القبيل؛فإنه يأخذ
من صفو الشرع والعقل سواء السبيل،فلا هو تصرف بمحض
العقول،بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول،ولا هو مبني
على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد
والتسديد).
وبعد، فحق الموافقة والمخالفة-محفوظ للقاري-فيما
توصلت إليه من نتائج علمية في إثبات مرسل
مكحول،وصحة الاستدلال بالقرائن النصية
والمقاصدية،والاستنباطات الفقهية،علما بأن
الموافقة والمخالفة ليست بمستغربة في عالم به
مدارس ومنازع إسلامية متنوعة في إطار أهل
الإسلام،ولكن المستغرب أن يتمتع القارئ بحقه في
النظر والمخالفة والترجيح ويحرم غيره من هذا الحق،
بحجج كثيرة واهية؛كالمزايدة في الدين والتقوى،وربط
علاقة التيسير بقلة الدين وضعف اليقين!!ورحم الله
أمير المؤمنين في الحديث والزهد سفيان الثوري
القائل بجواز معاملة المسلم غيره بالربا،حيث
قال:(إنما الفقه الرخصة من ثقة،فأما التشديد
فيحسنه كل أحد).
وبالله التوفيق
يمكنك الحصول على نسخة كاملة من دار وهبة للطباعة
والنشر بالقاهرة.
الرئيسة.......>
|