|
تداعيات ثقافة الخرس
الخرس من الناحية العضوية خلل في أعصاب اللسان أو
تشويه في العضو ذاته ؛ يسبب عدم القدرة على الكلام
جملة ؛ أو التحدث بتعتعة يصعب عليه التعبير عما
يدور في خلده . أما الخرس من الناحية الثقافية فهو
لب ظاهرة الاستبداد ، والالغاء ، والاقصاء ،
وتكميم الأفواه ، وسد مسامات الجلد ، سواء كانت
هذه الثقافة الخرسية تمارس من قبل ثالوث التخلف
مجتمعة أو متفرقة ؛ الانظمة الطاغوتية ، والأعراف
الجاهلية ، والمناهج التقليدية التي تعطل عقل
الانسان وتجعله في عداد آلات النقل !!
ومن هنا إذا أردنا أن نتحسس تداعيات ظاهرة الخرس
العضوية والثقافية في واقعنا المعيش ، فإننا نجد
أن أبرز معالم تداعيات ظاهرة الخرس العضوية ؛ حيث
يكون فيها اللسان أما مشلولا أو معطلا جملة مما
يجعله في عداد الأعضاء الفاشلة في جسم حاملها
لعجزه عن أداء وظيفته التي من أجلها خلق ،
وبالتالي ليس له إمكانية البيان والإيضاح عما في
نفس صاحبه . أما في حالة الخرس الثقافية فإننا نجد
اللسان في حالة جيدة ، لكنه قد مورست عليه ثقافة
التعطيل ووجوب الخرس وذلك عبر منظومة ثقافة الخرس
من ؛ تجريم حرية التعبير ، وخنق روح الابداع ،
وقتل عملية التفكير ، وزهق ابداء المخالفة ،
وممارسة تعطيل دور اللسان بكافة أشكاله ، من خلال
دهاليز الانظمة والاعراف والمناهج التي تغذي
الاستبداد والاقصاء وتحيي فقه الخرس ؛ فقه السمع
والطاعة المطلقة !!
فإذا كان ذلك كذلك، فكيف تتصور إن يكون المشهد إذا
عفى اللسان من عاهته بنسبة ما ، والثقافة من
وعكتها الاقصائية بدرجة ما ، وبدأ العيي ينطق ،
ويتكلم ، ويعبر عن نفسه ؟!!
لا شك أنه سوف يتكلم ، ويخرج أصوات ؛ لكنها في
الغالب غير مفهومة ، وحروفا قد تكون من غير
مخارجها ، وألفاظا ليست مناسبة لعمره ومكانته
واهتمامه ، وهو معذور للوهلة الأولى لأنه في حالة
تدريب على النطق بعد سكوت طويل ، وفي درجة من
الزهو بأجواء الحرية ، ونسيم التعبير عما يجول في
نفسه ، لكنه غير معذور إذا استمر على طريقته هذه
التي لا تقدر دور اللسان والبيان ، ولا نعمة
الحرية ، ولا تعرف كيفية استثمار وسائل الحرية
المتاحة !!
بيد أننا نفاجأ في أول أختبار للذين خرجوا لتوهم
من ثقافة الخرس وتكميم الأفواه ، أنهم يعشقون
ممارسة ثقافة الخرس ثقافة الطواغيت على خلق الله
سبحانه بذات الوسائل التي كانت تجلد بها ظهورهم
وجنوبهم ، ويسمر بها ألسنتهم وعقولهم (متى
استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمامهم أحرارا ) !!
وهكذا باتت تداعيات ثقافة الخرس من النطق
الأعوج ، والتعبير الأعرج ، والإعراب الانتقامي هي
السمة الغالبة للذين يستخدمون وسائل التعبير
وأبداء الرأي عبر(الفضائيات ، وغرف الكلام ،
والانترنيت ).وبالتالي يحق للأمة أن تعلن على
الملأ فقدان ثقتها في هؤلاء النواب الذين ظنت فيهم
يوما ما أنهم يقومون بدور رشيد منوط بهم ، كتوعية
الأمة وتطويرها ، ورفع معاناتها وتبني قضاياها ،
والحيلولة بينها وبين ثقافة الاستبداد ، واساليب
الأقصاء ، وأخلاق الجهلاء !!
فهل من سبيل إلى إعادة النظر في كيفية شكر نعمة
اللسان والبيان ( أيحسب أن لم يره أحد ، ألم نجعل
له عينين ، ولسانا وشفتين ، وهديناه النجدين ) ،
وحسن استعماله (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
) ، واتقان استخدام وسائل التعبير الحديثة بما
يحقق شكر نعمة الحرية ومجالات البيان ( وإن تعدوا
نعمت الله لا تحصوها ) ، ونحرص ألا نكون من الذين
(بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار )
؟!!
الرجوع
|