نزول عيسى في
العهد القديم
مر معنا أن القرآن الكريم لم يأت على ذكر نزول
عيسى آخر الزمان البتة، كذلك أشرت في المقال
السابق بأن رسالة عيسى عليه السلام بشروحها
المشهورة كما جاءت في انجيل
مرقس،ومتى،ولوقا،وبرنابا،ولم تكن سوى اضافات إلى
شريعة موسى عليه السلام تكونت من عظات ونصائح وحكم
وأمثال، توجه بها إلى المجتمع اليهودي ليخلص في
العبادة لله تعالى وليتخلص من ماديته التي سيطرت
عليه، وليتمسكوا بشريعة موسى عليه السلام كما جاء
بها من عند الله ناصعة بيضاء ونقية من التحريف
والتنزييف، كما قال لهم المسيح عليه السلام: لا
تظنوني أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء،ما جئت
لأنقض بل لأكمل.(متى :5/17) وقد أكد القرآن الكريم
على هذه الدعوة بقوله تعالى:(ولما جاء عيسى
بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض
الذي تختلفون فيه).(الزخرف:63)
كذلك قد أوضح انجيل برنابا الصلة بين الأناجيل
وبين التوراة؛ العهد القديم، حيث أنه بين أن عيسى
ما جاء إلا ليصحح عقائد القوم،فذكر أن يسوع قال
لهم: لا تظنوا أني جئت لأجل الشريعة والأنبياء،
الحق أقول لكم لعمر الله أنى لم آت لأبطلها، ولكن
لأحفظها، ولأن كل نبي حفظ شريعة الله وكل ما تكلم
الله به على لسان الأنبياء الآخرين، لعمر الله
الذي تقف نفسى في حضرته لا يمكن أن يكون مرضيا
لله، من يخالف آقل وصاياه.والقرآن الكريم يشهد
بهذا ويبين أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت
بعد شريعة موسى عليه السلام، ولم يشر إلى أن عيسى
عليه السلام جاء بشريعة مستقلة،كما قال تعالى:(
وقال الذي كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما
سبقونا إليه، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك
قديم، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة، وهذا كتاب
مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى
للمحسنين)،(الأحقاف:11-12) ثم قال جل شأنه حكاية
عن الجن:( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون
القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا،فلما قضى ولوا إلى
قومهم منذرين.قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل
من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق
وإلى طريق مستقيم).(الأحقاف:29-30)فنجد أن الله
عزوجل قرن في كلا الموقفين بين كتاب موسى، وكتاب
محمد عليهما السلام، أما رسالة عيسى عليه السلام
لم تفرد بالذكر لأنها تابعة لكتاب موسى عليهم
السلام.وعلى أساس هذه العلاقة بين العهد القديم
والاناجيل تسربت فكرة المسيح المنتظر(=عند
النصارى)أو فكرة المسيا المنتظر(=عند اليهود) من
العهد القديم إلى شروحات رسالة المسيح عليه
السلام، وذلك حين أضاف حاخامات اليهود فكرة
(المسيا المنتظر) إلى شرح رسالة موسى عليه السلام
والتي سميت بالعهد القديم في زمن الشتات والاجلاء
على يد الرومان حيث تم إجلائهم إلى بابل، حيث أوحت
هذه الظروف للحاخامات مخاطبة الاتباع بفكرة(المسيا
المنتظر) الذي يقوم بدور إعادة توطينهم في أرضهم
أورشليم (القدس). ثم انتقلت هذه الفكرة إلى الفكر
النصراني من خلال قراءة تأويلية للعهد القديم
لكلمة (هامشيح) الواردة في ثناياه، بمعنى (هامشيح)
يعني تساوي(المسيح)، ومن هنا استقرت الفكرة في
شروحات رسالة المسيح عليه السلام، وانتقلت بعد ذلك
عبر الروايات والاسانيد إلى الفكر الإسلامي الشيعي
والسني، حيث تجلت في الاعتقاد بعقيدة( الإمام
الغائب)و(المهدي المنتظر)و(نزول عيسى ابن مريم آخر
الزمان)!! وإليك بعض من فقرات الأناجيل التي جاء
فيها عقيدة (هامشيح)اليهودي بتأويلية نصرانية.
يعتقد النصارى أن المسيح صلب تحملا لخطيئة آدم
عليه السلام التي لم يغفرها الله له وتحملها ذريته
من بعده حتى جاء المسيح عليه السلام وقدم دمه فداء
للبشرية كلها.وفي اعتقاد النصارى أن الصلب لحق جسد
المسيح عليه السلام المتناسل من آدم، ولكن النصف
اللاهوتي في المسيح لم يلحقه الصلب ومخالفة هذا
عندهم كفر.حيث يرى مرقس والنصارى جميعا أن المسيح
صلب وقتل ودفن ثم قام بعد ثلاثة أيام .(مر
:3/18)،ويقول مفسروا انجيل مرقس:وبعد أن كلم الرب
تلاميذه بهذا ارتفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله
لا بالمعنى الحرفي والحسي.(الانجيل لللقديس مرقس،
صدر في عهد الباب شنودة الثالث سنة 1975م)
وجاء في إنجيل برنابا: فلما راي الخطر على عبده،
أمر جبريل وميخائيل،ورفائيل وأوريل، سفراءه..أن
يأخذوا يسوع من العالم.فجاء الملائكة
الأطهار،وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على
الجنوب، فحملوه،ووضعوه في السماء الثالثة،في صحبة
الملائكة التي تسبح إلى الأبد).(انظر محاضرات في
النصرانية:للشيخ محمد أبوزهرة)
كما يعتقد النصارى أن المسيح عليه السلام هو صاحب
الملكوت وقد أعلنه منذ بدء دعوته.يقول القس فهيم
عزيز:الملكوت حاضر ومستقبل تظهر تعاليم السيد أن
لملكوت الله وجهتين: حاضرة ومستقبلة، اي أنه موجود
الآن بين الناس، وفي ذات الوقت سيعلن في
المستقبل،ويتضح كحقيقة واقعة من الشواهد التالية(
متى 11/11،لوقا16/16،ومرقس4)
وبناء على ذلك يعتقد النصارى بنزول عيسى آخر
الزمان، كما يقول مرقس في انجيله:فسأله رئيس
الكهنة ايضا،وقال له أأنت المسيح ابن المبارك فقال
يسوع أنا هو.وسوف تبصرون ابن الانسان جالسا عن
يمين القوة وآتيا في سحاب السماء.(14/61) ويؤكد
انجيل متى على هذه العقيدة اليهودية بقوله: فإن
ابن الانسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته
وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق اقول لكم أن
من القيام ها هنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا
ابن الانسان آتيا في ملكوته . وهم يرون أن المسيح
هو ابن الانسان الذي سيتأتي في
المستقبل.(16/27-28)
وهكذا استقرت عقيدة أن المسيح(هو المسيا
المرتقب؛أي ابن الانسان)الذي علم تلاميذه في
الصلاة الربانية،أن يطلبوا خبز الغد من الآب
السماوي.(القس فهيم عزيز،ملكوت الله :32).وقد جاء
في الاصحاح السابع من هذا السفر:13/كنت أرى في رؤى
الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن انسان آتي وجاء
إلى القديم الايام فقربوه قدامه .14/فأعطى سلطانا
ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم
والألسنة ،سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته
ما لا ينقرض. 19/حينئذ رمت الحقيقة من وجه الحيوان
الرابع –قلت:لعله الدجال- الذي كان مخالفا لكلها
وهائلا جدا وأسنانه من حديد وأظفاره من نحاس وقد
أكل وداس الباقي برجليه .(د أ 7/1-28)
وجاء تفصيل تلك العقيدة اليهودي بصورة خيالية في
إنجيل متى حيث قال:وفيما هو جالس على جبل الزيتون
تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين: قل لنا ما
هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر، فأجاب يسوع وقال
لهم: انظروا لا يضلكم أحد، فإن كثيرين سيأتون
باسمي، قائلين أنا هو المسيح ويضلون كثيرين، وسوف
تسمعون بحروب وأخبار حروب، انظروا لا ترتاعوا،
لأنه لا بد أن تكون هذه كلها، ولكن ليس المنتهى
بعد، لأنه تقوم أمة على أمة ، ومملكة على مملكة
وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن….)(24/4–6)
ولا يخفى أن هذه التفاصيل الصريحة بنزول عيسى لم
ترد في القرآن الكريم لا تصريحا ولا تلميحا،وقد
أجاب الشيخ رشيد رضا عن سؤال ورد إليه حول نزول
عيسى آخر الزمان فقال بعد أن عرض للآيات وآراء
المفسرين فيها: وجملة القول أنه ليس في القرآن نص
صريح في أن عيسى رفع بروحه وجسده إلى السماء حيا
حياة دنيوية بهما بحيث يحتاج بحسب سنن الله تعالى
إلى غذاء فيتوجه سؤال السائل عن غذائه، وليس فيه
نص صريح بأنه ينزل من المساء، وإنما هي عقيدة أكثر
النصارى،وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهور الإسلام
بثها في المسلمين.(انظر: الجزء العاشر من المجلد
الثامن والعشرين من مجلة المنار ).
يتبع
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم
(1)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم
(2)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري
ومسلم
(3)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري
ومسلم
(5)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري
ومسلم
(6)