بعد أن تضافرت النصوص المنسوبة للرسول، وانعقد الاجماع على أن الإمامة السياسية والدينية في قريش لا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد اللقاء التفاهمي الذي تم بين أمير المؤمنين في الحكم (هارون الرشيد القرشي)وأمير المؤمنين في العلم(محمد ابن إدريس الشافعي القرشي)، قدم الأول أراء واجتهادات الثاني كقول فصل في الفكر والاجتهاد والرأي، لدرجة أنه استنكر على بعض الفقهاء (كمحمد بن الحسن) من مناظرة أو مخالفة الشافعي

 

 

في حقيقة الأمر أن قراءة العقل العربي من خلال رصد ظاهرة حب التضخيم والمبالغة والخرافة، وأثر الفكر الفارسي والهندي المشبع بفلسفة الاسطورة على العقل العربي، تجعل إمكانية تفسير أسباب الغلو في الانبياء والصالحين؛

 

 تفسيرا فلسفيا منطقيا، فقد ثبت بالمتابعة والملاحظة التاريخية فما أن يغادر نبي أو رسول من رسل الله الكرام هذه الدنيا حتى تبدأ الاسطورة تتشكل في أذهان اتباعه، ثم يتفرق الناس في ذلك شيع وفرق، فقد غال أتباع موسى وعيسى فيهما، وتفرقوا عنهما أحزابا (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون).

 

وهذه حقيقة ومن طبيعة الحقيقة أن لا تتحمل الأمر غير الحقيقي. 

 

 

 

عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم (3)

يتابع المفسر اعتداءاته على آيات القرآن ونظمه لصالح الرواية؛كرواية نزول عيسى ابن مريم أخر الزمان، ففي قوله تعالى:( وإن منكم إلا ليؤمن به قبل مؤته )،حيث اختلف أهل التفسير في إعادة الضمير في قوله تعالى( قبل مؤته )،منهم من قال: يعود على عيسى، أي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى.نصر هذا المذهب أبو هريرة والحسن وقول لابن عباس. ومنهم من قال أن الضمير يعود إلى الكتابي وليس لعيسى وهو القول الثاني لابن عباس وعكرمة وغيره من العلماء. وقد ورجح جماعة هذا المذهب بقراءة أبي بن كعب التي جاء فيها( إلا ليؤمن به قبل موتهم )أي أهل الكتاب. كما قال النووي: معنى الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى وأنه عبد الله وابن أمته، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان في تلك الحالة، كما قال تعالى:( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ).وقال:هذا المذهب أظهر لأن الأول يخص الكتابي الذي يدرك نزول عيسى، وظاهر القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وقبله ).(انظرفتح الباري)

وانتصر ابن عاشور في تفسيره لمذهب ابن عباس،وأبي،والنووي وغيره في عودة الضمير،حيث قال:(...قيل:الضمير في قوله( موته )عائد إلى عيسى، اي قبل موت عيسى، ففرع القائلون بهذا تفاريع: منها أن موته لا يقع إلا آخر الدينا ليتم إيمان جميع أهل الكتاب به قبل وقوع الموت، لأن الله جعل إيمانهم مستقبلا وجعله قبل موته، فلزم أن يكون موته مستقبلا؛ ومنها ما ورد في الحديث: أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر مدة الدنيا ليؤمن به أهل الكتاب.ولا يخفى أن عموم قوله( وإن من أهل الكتاب) يبطل هذا التفسير:لأن الذين يؤمنون به–على حسب هذا التأويل- هم الذين سيوجدون من أهل الكتاب لا جميعهم).( التحرير والتنوير)، وقد مال صاحب في ظلال القرآن إلى ذات الترجيحات، فقال: ونحن أميل إلى هذا القول الثاني؛ الذي ترشح له قراءة أبيّ( إلا ليؤمنن به قبل موتهم )..فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير؛ وأنه أهل الكتاب ).(في ظلال القرآن)

وهكذا تستمر محاولة الانتصار للرواية وتمزيق النظم القرآني لصالحها،كما في اعتداء المفسر بالتأويل على  قوله تعالى:( وإنه لعلم للساعة فلا تمترون بها واتبعون ) اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله(وإنه) وما المعني بها، فقال بعضهم هي من ذكر عيسى، وهي عائدة عليه.وقالوا:معنى الكلام : وإن عيسى ظهوره علم يعلم به مجيء الساعة، لأن ظهوره من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة،وقد انتصر لهذا المذهب:ابن عباس ومجاهد وقتادة.وقال آخرون: الهاء التي في قوله(وإنه)من ذكر القرآن، وقالوا: معنى الكلام: وإن هذا القرآن لعلم للساعة يعلمكم بقيامها،ويخبركم عنها وعن أهوالها.( انظر:تفسير الطبري)

ويبدو واضحا حجم ارتباك المفسر في تأويليته للنص القرآني، وذلك من جراء سلطة الرواية وسطوة الحديث على عقله ومنهجه،وهذا يشير بصورة من الصورة إلى عدم وضوح منهج الحقل المعرفي للقرآن الكريم أصلا،الذي–وللأسف الشديد-لم ينل الجهد المطلوب في تحريره وتنظيره ثم نظمه من خلال منظومة متكاملة، تعتمد الكلي المقاصدي وترد إليه الجزئي، وتقضي بالمقدس على البشري،والكلي على الجزئي، وما شذ عن ذلك فهي قضية عين وحكاية حال لا عموم لها ولا إطلاق.والغريب أن هذا المشكل ليس طاريء بل هو متجذر في المنظومة الكلاسيكية إلى النخاع مما جعلها تؤول الكلي القرآني لصالح أخبار الأحاد و بعض ما تسرب من ثقافة وعقائد أهل الكتاب. ومن ذلك تأويل قوله ( وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها) لصالح خبر أبي هريرة الأحادي.

علما بأن نظرة منطقية لهذه الآية من خلال سورة الزخرف المكية باعتبار سياقها وسباقها ولحاقها في اطار معرفي يحدد مكانة النص القرآن الذي يعلو ولا يعلى عليه، وأن الرواية المخالفة للكلي القرآني لا تقبل بحال ولو كانت صحيحة الاسناد ومجمع عليها.فمثلا،سورة الزخرف مكية ؛ أي لم يكن ثمة أهل كتاب، ثانيا : كان من أهم أغراضها التحدي بإعجاز القرآن على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فكان التذكير به والتنويه به عدة مرات،( حم، والكتاب المبين، إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكم...وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم...ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين...فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم، وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون... وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون، هذا صراط مستقيم، ولا يصدنكم الشيطان، إنه لكم عدو مبين ).

ثالثا: لو أردنا إعادة ضمير( وإنه لعلم للساعة )عبر النظم الكلي القرآني كما مر معنا لعاد إلى كلمة( القرآن)لأن التأكيد على القرآن كان من أهم أغراض السورة جملة كما مر معنا. ولكن لو عدنا تناول ضمير( وإنه لعلم للساعة)من زاوية آخر أي باعتبار السياق والسباق واللاحق القرآني فأننا نجد أن البداية كانت من قوله( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون...)وهي عطف قصة من أقاصيص كفرهم وعنادهم على ما مضى من حكاية أقاويلهم، جرت في مجادلة منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.وهذا تصدير وتمهيد بين يدي قوله:( ولما جاء عيسى بالبينات ..)الآيات الذي هو المقصود من عطف هذا الكلام على ذكر رسالة موسى عليه السلام .

ثم أشارت الآية( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل)إلى إبطال الذين زعموا عيسى عليه السلام ابنا لله تعالى، لكونه عبدا لله أنعم الله عليه بالرسالة وأنه عبرة لبني اسرائيل.ثم جاءت الآية( وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون،هذا صراط مستقيم ).والأظهر –كما قال ابن عاشور-أن هذا عطف على جملة( وإنه لذكر لك ولقومك) ويكون ما بينهما مستطردات واعتراضا اقتضته المناسبة. ولما أشبع مقام إبطال إلهية غير الله بدلائل الوحدانية ثني العنان إلى إثبات أن القرآن حق،عودا على بدء.وضمير المذكر الغائب في قوله:(وإنه لعلم للساعة) مراد به القرآن وبذلك فسره الحسن وقتاده وسيعد بن جبير، فيكون هذا ثناء ثامنا على القرآن، فالثناء على القرآن استمر متصلا من أول السورة آخذا بعضه بحجز بعض متخللا بالمعترضات والمستطردات ومتخلصا إلى هذا الثناء الأخير بأن القرآن أعلم الناس بوقوع الساعة. ومعنى تحقيق أن القرآن علم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع فلم يبق بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم.وهذا معنى ما وري من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين السبابة والوسطى مشيرا إليهما. والمشابهة في عدم الفصل بينهما.ثم أشارت الآية ( ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، فاتقوا الله واطيعون..)وبهذا يتضح أن هذا هو المقصود من ذكر عيسى عليه السلام فهو عطف على قصة إرسال موسى.(انظر: التحرير والتنوير)

وهكذا حاول العقل المشحون من المفسرين برواية نزول عيسى أخر الزمان إلى الاعتداء على آيات قرآنية أخرى وتمزيقها من نسيجها المعرفي، حيث تم تأويل قوله تعالى:(ويكلم الناس في المهد وكهلا )، أي يكلم الناس في المهد وهو صغير، ويكلم الناس كهلا أي بعد نزوله أخرى الزمان موافقة لرواية النزول.علما بأن قراءة الآية في سياقها بعقل غير متأثر برواية نزول عيسى لا يفهم منها ما فهمه أولئك الذين وقعوا تحت تأثير الرواية التي في المحصلة النهائية تقرر عقيدة اسرائيلية مخالفة لمحددات الإيمان بالقرآن بكون رسول الله خاتم النبيين والمرسلين، وأن عيسى قد بشر به(رسول يأتي من بعدي اسمه أحمد).ولا غرابة أن نجد بعض المفسرين يردون الاعتبار المعرفي لهذه الآية، كما حاول ذلك ابن جريرالطبري في تفسيره، حيث قال: ويكلم الناس طفلا في المهد، دلالة على براءة أمه مما قذفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوءته، وبالغا كبيرا بعد احتناكه، بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما ينزل عليه من كتابه. والآية كما لا يخفى تشير إلى بشرية عيسي، وأنه كسائر بني آدم في تقلب أعمارهم صغارا وكبارا إلا من خصه الله به من الكرامة ككلامه في المهد، والوحي إليه في الكهل.(انظر تفسير الطبري) وأشار ابن كثير إلى أن الكهلا تطلق على الفترة العمرية ما بين الثلاثين إلى الاربعين وهي الفترة التي نزل فيها الانجيل على عيسى ابن مريم، فقال: أن الانجيل أنزل على عيسى وهو ابن ثلاثين سنة..(قصص الانبياء). وهذا مذهب ابن عاشور، حيث قال: وخص تكليمه بحالين: حال كونه في المهد، وحال كونه كهلا، مع أنه يتكلم فيما بين ذلك لأن لذينك الحالين مزيد اختصاص بتشريف الله إياه فأما تكليمه الناس في المهد فأنه خارق عادة إرهاصا لنبوءته. وأما تكليمهم كهلا فمراد به دعوته الناس إلى الشريعة ).(التحرير والتنوير)

وهكذا من حيث لا يدري المفسر مشحون الذهن بالرواية أنه بتلك التأويلات يعتدي على النص القرآني، بل ويعتدى على محددات الإيمان أصلا، من ذلك هيمنة القرآن على كل الشرائع هيمنة استيعاب واحتواء( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه). كذلك إكتمال الدين( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فكيف يأتي عيسى بشرائع تخالف النص الثاوي في القرآن الكريم كقتل الخنزير،وكسر الصليب، وقتل القرد، ووضع الجزية.علما بأن شريعة عيسى تابعة لشريعة موسى وليست اصلا منفردا بذاته،ولعل في الاشارة القرآنية على لسان الجن( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ..)ومعلوم أن القرآن نزل بعد عيسى وليس بعد موسى ولكن لكون رسالة عيسى تابعة للرسالة الأصلية اكتفى بذكر الاصل دون الفرع، مما يعني أن شريعة عيسى على الرغم من كونها تابعة لرسالة موسى إلا أنها وصفت بأنها رسالة وشريعة مستقلة تحت اسم مستقل عن التوراة كتابها الانجيل، فكيف إذا جاء بأحكام تخالف النص القرآني جملة كوضع الجزية وقتل الخنزيز وكسر الصليب وقتل القرد، ألا يصدق عليها والحال كذلك اسم شريعة ما ؟!! وقد اشارصاحب المنار في تفسيره إلى دور عيسى عليه السلام ورسالته مع اليهود بقوله:..فالمسيح لم يأت لليهود بشريعة جديدة ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى عليه السلام، ويوقفهم على فقهها والمراد منها ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب ).(راجع:تفسير المنار)

 ويبدو أن الاعتقاد بنزول عيسى عليه السلام أخر الزمان يعني الاعتقاد بما يخالف أصول القرآن التي تنص على أن القرآن الكريم هو الشريعة الخاتمة والمهيمنة، وأن محمدا هو النبي الخاتم( وخاتم النبيين )، الذي بشر به عيسى( وإذ قال عيسى ابن مرير يا بني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ).

يتبع

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (1)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (2)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (4)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (5)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (6)

 

الرجوع   >

الرئيسة   >

 

يسمح بالاستفادة من الموقع شريطة ذكر المصدر