بعد أن تضافرت النصوص المنسوبة للرسول، وانعقد الاجماع على أن الإمامة السياسية والدينية في قريش لا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد اللقاء التفاهمي الذي تم بين أمير المؤمنين في الحكم (هارون الرشيد القرشي)وأمير المؤمنين في العلم(محمد ابن إدريس الشافعي القرشي)، قدم الأول أراء واجتهادات الثاني كقول فصل في الفكر والاجتهاد والرأي، لدرجة أنه استنكر على بعض الفقهاء (كمحمد بن الحسن) من مناظرة أو مخالفة الشافعي

 

 

في حقيقة الأمر أن قراءة العقل العربي من خلال رصد ظاهرة حب التضخيم والمبالغة والخرافة، وأثر الفكر الفارسي والهندي المشبع بفلسفة الاسطورة على العقل العربي، تجعل إمكانية تفسير أسباب الغلو في الانبياء والصالحين؛

 

 تفسيرا فلسفيا منطقيا، فقد ثبت بالمتابعة والملاحظة التاريخية فما أن يغادر نبي أو رسول من رسل الله الكرام هذه الدنيا حتى تبدأ الاسطورة تتشكل في أذهان اتباعه، ثم يتفرق الناس في ذلك شيع وفرق، فقد غال أتباع موسى وعيسى فيهما، وتفرقوا عنهما أحزابا (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون).

 

وهذه حقيقة ومن طبيعة الحقيقة أن لا تتحمل الأمر غير الحقيقي. 

 

 

 

اعتداء المفسر على النظم القرآني

يبدو أن المفسر المشبع بحاكمية الحديث على القرآن،كما قال أحد منظري هذا المنهج (إن السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة). (الدارمي)وقال عبدالرحمن الأوزاعي: (الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب) (إرشاد الفحول). وقال الشافعي:(فإن قال قائل :هل تنسخ السنة القرآن؟ قيل: لو نُسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيها سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة) (الرسالة)، فهذا المفسر المشبع بهذه الرؤية لم يجد حرجا في تأويل القرآن بما يوافق الحديث ولو أدى ذلك إلى تقطيع النظم القرآني وجعله جزرا مفصولة ومفككة (وجعلوا القرآن عضين)، كما فسر حديث نزول عيسى عليه السلام أخر الزمان الذي في الصحيحين، حيث تم الاعتداء على النظم القرآني لصالح الرواية والراوي،وأمثلة ذلك النصوص القرآنية التالية.

-قال تعالى:( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا...الآيات) فتأول المفسر مشحون الذهن برؤية نزول عيسى أخر الزمان قوله تعالى( إني متوفيك ورافعك إلي )،فقال معنى(متوفيك) أي وفاة نوم،وقال آخرون:يعني إني قابضك.وقال كعب الأحبار ما كان الله عز وجل ليميت عيسى ابن مريم.. فأوحي الله إليه ( إني متوفيك ورافعك إلي )، وليس من رفعته عندي ميتا.ثم قال كعب الأحبار:وذلك يصدق حديث رسول الله حيث قال: كيف تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى في آخرها.(انظر:تفسير الطبري)

ولعل الذى دعى المفسر إلى صرف معنى الوفاة عن ظاهرها وعلى حقيقتها ما ورد في خبر أحاد عن أبي هريرة وهو من المقربين لكعب الاحبار، جاء فيه: أن عيسى ينزل في آخر مدة الدنيا، فأفهم أن له حياة خاصة أخص من حياة أرواح بقية الأنبياء، ورأى أن تأويل المعنى في هذه الآية أولى من تأويل الحديث في معنى حياته وفي نزوله. ويبدو من ذلك أن فكر كعب الاحبار(اليهودي سابقا) كان حاضرا في ذهن المفسر للنص القرآني، كذلك في اعتماد أغلب المحدثين عن الغيبيات والخرافات الاسرائيلية على أسانيد كعب مباشرة أو غير مباشرة .

ولا يفوتني أن اسجل كلاما نفيسا للمفسر ابن عاشور رغم تقليديته إلا أنه حاول المحافظة على النص القرآن وقصديته في هذه المسألة،فقال في تفسيره لقوله تعالى:( إني متوفيك ) ظاهر معناه: إني مميتك، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأن أصل فعل توفي الشيء أنه قبضه تاما واستوفاه...ويطلق التوفي على النوم مجازا بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى:( وهو الذي يتوفاكم بالليل)،وقوله( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) أي وأما التي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتا شبيها بالموت التام، كقوله( هو الذي يتوفاكم بالليل– ثم قال- حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) فالكل إماته في التحقيق، وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال، ولذلك فرع بالبيان بقوله: فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. فالكلام منتظم غاية الأنتظام، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام. وأصرح من هذه الآية آية المائدة:( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) لأنه دل على أنه قد توفي الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض، وحملها على النوم بالنسبة لعيسى لا معنى له، لأنه إذا أراد رفعه لم يلزم أن ينام؛ ولأن النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد، فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة ).(التحرير والتنوير)

وبالمناسبة ثمة قاعدة المشهورة في كتب العقائد(إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا) تقرر إذا اجتمعت كلمة الإيمان والإسلام في سياق واحد كما في قوله تعالى:( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) فمعنى الإيمان في هذا السياق غير معنى الإسلام، حيث بينهما عموم وخصوص، فالإيمان يراد به حقيقة الإيمان، والإسلام يراد به الظاهر فقط، فأنت ترى حين اجتمعت الكلماتان افترقتا في المعنى، بيد أنهما إذا افترقتا في السياق اجتمعتا في المعنى، فلفظة الإيمان هو الإسلام إذا افترقتا. ويمكن تعدية هذه القاعدة عند إلتقاء مفردة الكفر والشرك، ومفردة الوفاة والموت في السياق القرآني .  

واللافت للنظر أن الإمام محمود شلتوت على الرغم من تقليديته كذلك إلا أن له كلمات تستحق أن تسرد في هذا المقام ليطمئن بها قلب المقلد،حيث قال: وكلمة( توفيتني ) في آية سورة المائدة تؤكد المعنى المتبادر وهو الإماتة العادية التي يعرفها الناس.ويدركها من اللفظ والسياق الناطقون بالضاد،...ولا سبيل إلى القول بأن الوفاة هنا مراد بها وفاة عيسى بعد نزوله من السماء بناء على زعم من يرى أنه حي في السماء، وأنه سينزل منها أحر الزمان، لأن الآية ظاهرة في تحديد علاقته بقومه هو لا بالقوم الذين يكونون آخر الزمان وهم قوم محمد صلى الله عليه وسلم لا قوم عيسى ).(انظر الفتاوى، الامام محمود شلتوت)

ويلفت النظر في موضع أخر بضروة المحافظة على قصدية القرآن وعدم الاعتداء عليها لصالح الرواية، فيقول:فكلمة الرفع في الآيتين: ففي الآية الأولى قال تعالى: (ورافعك إلي)، بعد قوله: (إني متوفيك)، فدل ذلك على أن الرفع جاء بعد التوفي، والظاهر أنه رفع المكانة لا رفع الجسد، خصوصا أنه جاء بعد استيفاء أجله كما ذكر المفسرون، ثم تلاه..التطهير من الكافرين..(ومطهرك من الذين كفروا)، مما يدل على أن الرفع رفع منزلة وكرامة؛ كما جاء الرفع في القرآن كثيرا بهذا المعنى كقوله (في بيوت أذن الله أن ترفع) و(نرفع درجات من نشاء) و رفعنا لك ذكرك) و(رفعناه مكانا عليا)و (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )و( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه).كذلك جعل الذين اتبعوه فوق الذين عارضوه( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) فالمراد بالفوقية هنا أن يعلمونهم بالمكانة والحجة والبرهان.

وفي الآية الثانية فقد قال تعالى في سورة النساء( بل رفعه الله إليه) أخبارا عن تحقيق الوعد الذي تضمنته الآية الأولى، وقد كان هذا الوعد بالتوفية والرفع والتطهير من الذين كفروا، فإذا كانت الآية الثانية قد جاءت خالية من التوفية والتطهير، واقتصرت على ذكر الرفع إلى الله فإنه يجب أن يلاحظ فيها ما ذكر في الأولى جمعا بين الآيتين. والمعنى أن الله توفي عيسى عليه السلام ورفعه إليه وطهره من الذين كفروا. إذا فالتعبير بقوله( ورافعك إلى )وقوله( بل رفعه الله إليه ) كالتعبير في قولهم لحق فلان بالرفيق الأعلى، وقوله( إن الله معنا )،وقوله( عند مليك مقتدر)،وكلها لا يفهم منها سوى معنى الرعاية والحفظ والدخول في كنف الله. فإذا كان ذلك كذلك فمن أين تؤخذ كلمة السماء من كلمة إليه ؟ (انظر:المرجع السابق

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (1)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (3)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (4)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (5)

> عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم  (6)

 

 

الرجوع   >

الرئيسة   >

 

يسمح بالاستفادة من الموقع شريطة ذكر المصدر