عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري
ومسلم
(1)
نزول عيسى ابن
مريم نموذجا
جاء في صحيح البخاري من حديث ابن المسيب أنه سمع
أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن
مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير،
ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى
تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها. ثم
قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم
(وإن من أهل
الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته،
ويوم القيامة يكون
عليهم شهيدا).
وساق مسلم عن أبي هريرة نحو رواية
البخاري،
فقال:
والله؛ لينزلن
ابن مريم
حكما عدلا، فيكسر الصليب..الخ،
وقد وردت هذه الرواية في كتب الأحاديث الأخرى بصيغ
متعددة ومتنوعة وأغلبها عن أبي هريرة.
وبناء على حزمة هذه الروايات انعقد الإجماع على
عقيدة نزول عيسى أخر الزمان ليقيم العدل،ويبسط
الأمن،ويلغي الملل والديانات،كما ورد في رواية أبي
داود: ينزل عيسى... ويدعو الناس إلى الإسلام،
ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، وتقع
الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الأبل، وتلعب
الصبيان بالحيات. وبهذا التصور دخلت قضية نزول
عيسى في مسمى الإيمان وصارت إحدى أركان المعتقد
الإسلامي، من أنكرها أو شك فيها فقد كفر بإجماع
الأمة. كما
قال
السفاريني في كتابه
أهوال يوم القيامة:
ونزوله عليه الصلاة والسلام ثابت بالكتاب والسنة
وإجماع الأمة.
وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم
يخالف فيه أحد من أهل
الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة أو
من لا يعتد بخلافه.وأكد على ذلك أحد الدعاة
المعاصرين بقوله:
نزول عيسى ابن مريم ثابت في الأحاديث الصحيحة في
الصحيحين وغيرهما، مما تلقته الأمة بالقبول، فمن
أنكر نزول عيسى ابن مريم فإنه لا بد أن يُعرَّف،
تقام عليه الحجة، وتزال الشبهة، وتبين له الأدلة،
فإذا أنكرها مع صراحتها ووضوحها كفر.(انظر:موقع
جامع شيخ الإسلام ابن تيمية)
وبمعاينة هذه الروايات،والاجماع المنعقد عليها من
خلال ردها إلى النظم الكلي للقرآن الكريم الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يتضح أن ثمة
اضطراب بيّن في متن هذه الروايات من حيث مخالفتها
للكلي الاعتقادي القرآني،ومخالفتها لطبائع الأشياء
وناموس الخلق، بحيث تشبه بدرجة كبيرة أساطير
الأولين وقصص أهل الكتاب.نحاول في هذه الدراسة
التعرف على أسباب اضطراب متن هذه الروايات مع
النظم الكلي القرآني،والوقوف على حجم اختراق أهل
الكتاب لجملة من عقائد المسلمين والأسباب التي أدت
إلى ذلك.وذلك من خلال قراءة نصوص القرآن التي
تناولت قصة عيسى عليه السلام، ثم النظر إلى قصته
في العهد القديم والجديد،وبعد ذلك مناقشة إشكالية
حجية أخبار الأحاد في الاعتقاد،وعلاقة راوي هذه
الروايات بكعب الأحبار.
أولا: عيسى عليه السلام في القرآن
الكريم:
اعتمد القرآن الكريم في عرضه لحقيقة عيسى عليه
السلام من قبل ولادته إلى وموته أساليب بلاغية
متنوعة من إطناب وإيجاز؛ ففي سورة آل عمران كان
الإيجاز في قصة الحمل بمريم أم عيسى عليهما السلام
وولادتها وتسميتها ثم اصطفائها وتكفيل زكريا إيها.
وفي سورة مريم كان الأطناب حيث جاء ذكر أصطفائها
واختارها لمهمة الحمل بعيسى، ومجيء الملك، ثم فترة
الحمل، ثم الولادة، ثم تسميته بالمسيح عيسى ابن
مريم، ثم تكلمه في المهد. كذلك في سورة آل عمران
والنساء والمائدة فقد جاء ذكر معجزات عيسى ابن
مريم بشيء من التفصيل، بيد أن قصة محاولة قتله
وصلبه كانت بصورة مؤجزة، أيضا التأكيد على وفاته
وموته ورفعه. واللافت للنظر على الرغم من استعمل
القرآن الكريم أساليب بلاغية متنوعة في سرد قصة
عيسى منذ جدته،وولادة أمه مريم،ثم ولادته حتى
وفاته لم يذكر القرآن الكريم رجوعه إلى الدنيا ولم
يشر إليها حتى بالاشارة، بل لم يعدها من مناقبه
ولم يعتبرها من معجزاته المتعددة والمتنوعة التي
تم تسجيلها في النص الخاتم الذي تكفل الله بحفظه .
مما يعني أن قصة نزوله أختراق عقدي من قبل أهل
الكتاب عبر الرواة وسلسلة الاسانيد.وهاك الحقيقة
العيسوية كما جاء بها القرآن الكريم
-أصطفاء آل عمران:
(إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران
على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم،
إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني
محررا فتقبل مني، إنك أنت السميع العليم، فلما
وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما
وضعت وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها مريم وإني
أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم).
-اصطفاء مريم:
(
وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك
واصطفاك على نساء العالمين).
-تكفيل زكريا لها:(
فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها
زكريا ).
- البشرى بعيسى:(
إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه
اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا
والأخرة ومن المقربين ).
-بعث جبريل لنفح الروح:(
فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا...قال
كذلك، قال ربك هو على هين، ولنجعله آية للناس
ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ).
-الحمل بعيسى:(
فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ).
- حالة المخاض به:(
فأجاءها المحاض إلى جذع النخلة...).
-ولادته:(
فأتت به قومها تحمله ).
-مريم وقومها:(
قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا ).
-عيسى يكلم الناس في المهد:(
فأشارت إليه، قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا
).
-عيسى يكلم الناس كهلا:(
ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين).
-معجزاته:(
ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من
ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ
فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأبريء الأكمه والأبرص
وأحي الموتى بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما
تدخرون في بيوتكم...).
-التكليفات الشرعية:(
إن الله ربي وربكم فاعبدوه )،( قال إني عبد الله
أتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني مباركا أين ما
كنت وأوصنى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا )،( وبرا
بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا).
-عيسى يبشر بنبوة محمد من بعد وفاته:(
وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول
الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا
برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ).
محاولة قتله: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم).
-اختلاف الناس في قتله:(
وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، ما لهم به من
علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينا. بل رفعه
الله إليه ).
-وفاته ورفعه:(
إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك
من الذين كفروا..).
-شهادة القرآن بموته:(
إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي
...)،(..وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما
توفيتني كنت أنت الرقيب عليم). وقد استدل رسول
الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على وفاته
وعدم مسؤوليته على أمته من بعده بوفاة عيسى،
فقال:يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة
عراة غرلا... ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ
بهم ذات الشمال،فأقول: يا رب أصيحابي، فيقال: إنك
لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد
الصالح( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما
توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ).(صحيح البخاري،فتح
الباري)
- شهادة القرآن بعدم رجوع الأموات إلى الدنيا أبدا:(
قال فيها تحيون،وفيها تموتون، ومنها تخرجون)،( إنك
ميت وإنهم ميتون )،( وما محمد إلا رسول قد خلت من
قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم..)،( وحرام على قرية أهلكناها أنهم إليها
لا يرجعون). وقد ذكر مسلم في صحيحه المحاورة التي
كانت بين المولى عز وجل والشهداء(... قالوا: نريد
أن تردنا إلى الدار الدنيا...فيقول الرب جل جلاله:
إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون).(تفسير ابن
كثير:1/187)،( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر
الحكيم...الحق من ربك فلا تكن من الممترين )،( ذلك
عيسى ابن مريم، قول الحق الذي فيه يمترون ).
- نهى القرآن عن الغلو في عيسى:(
ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على
الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول
الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فأمنوا
بالله ورسله، ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم،
إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد ...)،(
ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل
وأمة صديقة، كانا يأكلان الطعام، انظر كيف نبين
لهم الآيات ثم انظر أني يؤفكون )،( قل يا أهل
الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا
أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن
سواء السبيل ). والحق يقال أنه كتاب فصل كل شيء
مما يهم الأنسان في إيمانه(ولقد جئناهم بكتاب
فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون)،(..وهذا
كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون،
أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا
وإن كنا عن دراستهم لغافلين..).
ويبدو أن القارئ خالي الذهن من روايات نزول عيسى
والاجماع المنعقد على تلك الروايات الاسرائيلية
سوف يتبادر إلى ذهنه عند مطالعة النظم الكلي
القرآني لحقيقة عيسى، بأنه عليه السلام رسول قد
خلت من قبله ومن بعده الرسل، وأنه مات ولن يعود
لهذه الدنيا مرة آخرى( وأنهم إليها لا يرجعون)،وأن
محمدا رسول الله هو خاتم الانبياء والمرسلين وأنه
ميت وليس بحي( إنك ميت وإنهم ميتون ).وأما القارئ
مشحون الذهن بتلك الروايات الاسرائيلية لا يجد بد
من تأويل النظم الكلي ليتفق مع روايات الأحاد
والاسرائيلية هذه بكون عيسى رفع إلى السماء، وحي
يرزق فيها، وسوف ينزل أخر الزمان كما قال ابن
تيمية
:وعيسى
حي في السماء لم يمت بعد، وإذا نزل من السماء؛ لم
يحكم إلا بالكتاب والسنة، لا بشيء
يخالف ذلك.(مجموع الفتاوى)
واللافت للنظر أن عقيدة نزول عيسى متضافرة في كتب
أهل الكتاب، لكن القرآن الكريم لم يأت على ذكرها
ولم يجعلها ضمن معجزات عيسى الكثيرة ومزاياه
المتعددة، وقد اشار ابن عاشور في تفسيره لهذا
بقوله: ولم يتعرض القرآن في عد مزاياه إلى أنه
ينزل في آخر الزمان.(انظر:تفسير ابن عاشور التحرير
والتنوير)
ويبدو أن ثمة عقلاء في التاريخ الإسلامي رفضوا هذه
العقيدة الاسرائيلية وردوها بمنطق القرآن والعقل
ومحددات الإيمان، ولكن هؤلاء العقلاء كانت لهم
مواقف قوية ضد الحلف القائم آنذاك
(السيف
والقلم)
السلطة السياسية والدينية، لذلك ردت آراءهم
النيرة، حيث جعلت أفكارهم من الأفكار المناهضة
لعقيدة أهل السنة وأهل الجماعة كما عبر عن ذلك
القاضي عياض بقوله:
نزول
عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل
السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك،
وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب
إثباته. وأنكر ذلك بعض المعتزلة
والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث
مردودة بقوله تعالى:
{وخاتم
النبيين}، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (لا
نبي بعدي)، وبإجماع المسلمين
أنه لا نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم وأن
شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ولا
تنسخ. وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول
عيسى عليه السلام أنه ينزل نبيا
بشرع ينسخ شرعنا، ولا
في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت
هذه
الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه
ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا
ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس.
(*)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم
(2)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري
ومسلم
(3)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري ومسلم
(4)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري
ومسلم
(5)
>
عقائد اسرائيلية في صحيحي البخاري
ومسلم
(6)
________________________
(*)تنبيه:هذه الدراسة نشرت في بعض المواقع عام
2006م