بعد أن تضافرت النصوص المنسوبة للرسول، وانعقد الاجماع على أن الإمامة السياسية والدينية في قريش لا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد اللقاء التفاهمي الذي تم بين أمير المؤمنين في الحكم (هارون الرشيد القرشي)وأمير المؤمنين في العلم(محمد ابن إدريس الشافعي القرشي)، قدم الأول أراء واجتهادات الثاني كقول فصل في الفكر والاجتهاد والرأي، لدرجة أنه استنكر على بعض الفقهاء (كمحمد بن الحسن) من مناظرة أو مخالفة الشافعي

 

 

في حقيقة الأمر أن قراءة العقل العربي من خلال رصد ظاهرة حب التضخيم والمبالغة والخرافة، وأثر الفكر الفارسي والهندي المشبع بفلسفة الاسطورة على العقل العربي، تجعل إمكانية تفسير أسباب الغلو في الانبياء والصالحين؛

 

 تفسيرا فلسفيا منطقيا، فقد ثبت بالمتابعة والملاحظة التاريخية فما أن يغادر نبي أو رسول من رسل الله الكرام هذه الدنيا حتى تبدأ الاسطورة تتشكل في أذهان اتباعه، ثم يتفرق الناس في ذلك شيع وفرق، فقد غال أتباع موسى وعيسى فيهما، وتفرقوا عنهما أحزابا (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون).

 

وهذه حقيقة ومن طبيعة الحقيقة أن لا تتحمل الأمر غير الحقيقي. 

 

 

 

هل يجوز للمرأة تعليم الرجال كيفية الغسل ؟!

قال البخاري في صحيحه حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثني عبد الصمد قال حدثني شعبة قال حدثني أبو بكر بن حفص قال سمعت أبا سلمة يقول:دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة؛ فسألها أخوها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم، فدعت باناء نحو من صاع؛ فاغتسلت، وأفاضت على رأسها،وبيننا وبينها حجاب.(كتاب الطهارة،باب الغسل بالصاع ونحوه)

تناولي لهذا الحديث وغيره من الأحاديث التي تسمى الأحاديث الصحيحة في الكتب الصحيحة، ليس من باب الطعن في أم المؤمنين كما يفعل البعض، كذلك ليس من باب الطعن في نوايا جامعي الأحاديث، وإنما من باب الاستدراك المعرفي على المدونات والمدونون في إطار التمييز بين الذات والقيمة. مما يعني أن المغالاة في وصف الصحيحين أو الكتب الستة بأنها أصح كتب بعد كتاب الله، أو أن نقد هذه الكتب وجهود الأولين يعد نقدا لثوابت الدين ومسلماته فهذه قضية لا تخدم مقاصد رسالة الله الخاتمة، بل هذه المغالاة تعمل على هدم مقاصد الرسالة جملة في زمن صارت فيه المعلومة متداولة للجميع وسهل الوصول إليها، وأحسب أن هذا الافراط في تقديس الصحيحين والتسليم بما فيهما ورفض نقدهما يعد مخالفة لخطاب الوحي ومزاحمة له، قال تعالى:(قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) وقوله(وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون).

ولعل في منع عمر رضي الله عنه مزاحمة الوحي بأي مصدر كان ولو كان منسوبا لرسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم دليل على عدم تقديس هذه الأحاديث والاسانيد في جيل الصحابة، فقد كتب عمر إلى الإمصار من كان عنده من الأحاديث شيئا فليمحه.وقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإني والله لا أُلبسُ كتاب الله بشيء أبدا. وجاء عن القاسم بن محمد بن أبي بكر: إن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيها الناس! إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلايُبقينَّ أحدٌ عنده كتابا إلا أتاني به، فأرى فيه رأيي.قال: فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار.

بل وصل به الأمر أن يهدد المكثرين بالتحديث عن رسول الله بالسجن والإبعاد إن لم ينتهوا، فقد روى السائب بن يزيد أنه سمع عمر بن الخطاب يقول لأبى هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الأحبار لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة. وكأن لسان عمر يردد لا لمزاحمة الوحي وتقديس غيره ولو كان رسول الله،وقد نقل عنه مالك كلاما شبيها بذلك حيث قال كان عمر يقول: لا كتاب مع كتاب الله. وأحسب عمر بهذه المنهجية والعقلانية كان يقاتل ضد فكرة كتابة الأحاديث ومزاحمة الوحي بتلك المدونات فيما بعد، فقد قال لأؤلئك المكثرين: أمنية كأُمنية أهل الكتاب.وجاء في الطبقات الكبرى أن عمر كان يقول للناس: مثناة كمثناة أهل الكتاب.وأصل كلمة مثناة مشناة أي روايات شفوية دونها اليهود ثم شرحها علماؤهم فسمي الشرح جمارا(تلمود)، ثم جمعوا بين الكتابين فسمي مجموعها(الاَصل والشرح)المشناة. (1)

نستعير عبارة عمر في وصفه للروايات بأنها مثناة كمثناة أهل الكتاب، ونأخذ عينة من هذه المثناة كالحديث الذي رواه البخاري يصور فيه السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قامت بخلع ملابسها وباشرت عملية الغسل الكامل أمام رجلين(أبو سلمة، وأخو عائشة) لتعليمهما كيفية الغسل ومقدار الماء المطلوب لإتمام الغسل، ثم استدرك الراوي بعد سرده لروايته المخالفة لقيم القرآن وأخلاق العرب ناهيك عن بيت النبوة،فقال: بيننا وبينها حجاب!!

نحاول التنقيب في أرضية هذه المثناة(الرواية) والبحث عن صحة العلاقة التحريمية التي دفعت بالسيدة عائشة إلى القبول أو التسهل في كشف العورة المغلظة أمام الرجال من جهة، ومن جهة أخرى النظر في فلسفة غسل السيدة عائشة من وراء حجاب كما ذكره صاحب المثناة !!

صحة العلاقة التحريمية بين السيدة عائشة والرجلين:

الرجل الأول:أبو سلمة: الملاحظ أن العقل التمجيدي في تعامله مع هذه الرواية قد وقع بين مطرقة الصحيحين وسندان القيم الأخلاقية، فبدلا من نقد متن الحديث ورده، طفق يتخيل علاقة تحريمية بين أم المؤمنين وأبي سلمة تعينه للخروج من هذا الاشكال، وتفتح له باب تأويل يصوغ له قبول هذه المكاشفة التي لا تقبلها المرأة العادية صاحبة الفطرة السليمة ناهيك عن بيت النبوة، لذلك تخيل العقل التمجيدي أو استنجد بفكرة التحريم بالرضاعة التي كانت منتشرة في ذاك الزمان، ولعله ايضا استنجد برواية جواز رضاع الكبير المروية عن السيدة عائشة حيث كانت عائشة قد أرسلت سالم بن عبد الله بن عمر إلى أم كلثوم لترضعه ليدخل عليها فأرضعته ثلاث مرات ثم مرضت.(الطبقات الكبرى)، وبهذه المنطلقات تخيل شراح الرواية تلك العلاقة التحريمية بين السيدة عائشة وأبي سلمة التي تجيز لعائشة التكشف أمامه، فقال القاضي عياض كما ذكره ابن حجر في الفتح: لأن عائشة خالة أبي سلمة من الرضاع أرضعته أختها أم كلثوم.

علما بإن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق هي الابنة الثالثة من بنات الصديق،ولدت بعد وفاة والدها في زمن عمر، وتزوجها طلحة بن عبيد، فقتل عنها طلحة يوم الجمل سنة ست وثلاثنين، ثم تزوجت بعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة.أما أبو سلمة فهو بن عبد الرحمن بن عوف ولد سنة بضع وعشرين للهجرة توفي في المدينة سنة أربع وتسعين وقيل أربع ومائة، وله من العمر اثنتين وسبعين سنة.) سير اعلام النبلاء،وطبقات ابن سعد )

الرجل الثاني:(مجهول الاسم والهوية). فقد اضطرب العقل التمجيدي في اسم هذا الأخ المجهول(وأخو عائشة) إلى أربعة أشخاص مختلفين اسما وطبقة وجهة، فمن عبدالرحمن بن أبي بكر، إلى الطفيل بن عبدالله، وعبدالله بن يزيد، وكثير بن عبيد، كما قال ابن حجرفي شرحه لهذه الحديث،وقوله:( وأخو عائشة) زعم الداودي أنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقال غيره هو أخوها لأمها وهو الطفيل بن عبد الله ولا يصح واحد منهما؛ لما روى مسلم من طريق معاذ والنسائي من طريق خالد بن الحارث وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون كلهم عن شعبة في هذا الحديث أنه أخوها من الرضاعة، وقال النووي وجماعة إنه عبد الله بن يزيد معتمدين على ما وقع في صحيح مسلم في الجنائز عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد رضيع عائشة عنها فذكر حديثا غير هذا ولم يتعين عندي أنه المراد هنا، لأن لها أخا آخر من الرضاعة وهو كثير بن عبيد رضيع عائشة روى عنها أيضا وحديثه في الأدب المفرد للبخاري وسنن أبي داود من طريق ابنه سعيد بن كثير عنه. وعبد الله بن يزيد بصري وكثير بن عبيد كوفي فيحتمل أن يكون المبهم هنا أحدهما ويحتمل أن يكون غيرهما والله أعلم .(فتح الباري)

 وأحسب أن العقل التمجيدي الواقع تحت سلطة الصحيحين كان في مساعيه هذه يبحث عن علاقة مقبولة تبرر له قبول صحة هذه الرواية المخالفة لقيم الاخلاق القرآنية، ومن ثم الاعتقاد بأن السيدة عائشة قد فعلت ذلك ولكنها أمام أخويها من الرضاعة !!

فلسفة الاغتسال من وراء حجاب:

قال الراوي:( يننا وبينها حجاب )لاحظ معانات الراوي والشارح في هذه الجملة، تصور لو كان ما قامت بها السيدة عائشة من خلع وغسل من وراء الحجاب، وكان هذا الحجاب ساترا لها وحائلا بينها وبين مشاهدة السائلين لها، فما هي جدوى قيامها بهذه العملية التعليمية وأحسب أن هذا تحصيل حاصل.فكان في مقدورها أن تشرح لهما كيفية الغسل بطريقة نظرية وجها لوجه دون حاجة إلى الدخول في المحظور أو الاقتراب منه، ويكفي أن رسول الله لم يعلم الصحابة كيفية الغسل بطريقة خلع الملابس والاغتسال أمامهم. ولكن الراوي وشارح الراوية قد تورطا في هذا المثناة التي تخالف الفطر السليمة، لذلك لجأوا إلى منطق التأويل والتبرير لصالح المثناة(الرواية) وإن عاد ذلك على قصدية القرآن بالابطال، كما فعل ابن حجر حين نقل تأويلية القاضي عياض الذي قال(وبيننا وبينها حجاب):وظاهر أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل نظره للمحرم؛ لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع أرضعته أختها أم كلثوم، وإنما سترت أسافل بدنها مما لا يحل للمحرم النظر إليه قال: وإلا لم يكن لاغتسالها بحضرتهما معنى. وفي فعل عائشة دلالة على استحباب التعليم بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس ولما كان السؤال محتملا للكيفية والكمية ثبت لهما ما يدل على الأمرين معا: أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع  !!


والغريب أن العقل الإحالي المعاصر الذي تربى على منطق( لا يكن لك قولا ليس لك فيه سلف ) لم يكن في وسعه الخروج عن تأويلات السلف سالفة الذكر، وإنما كان منه الإحالة إلى الماضي وتمجيد تلك التأويلات، كما فعل صاحب منهج أمهات المؤمنين في الدعوة حيث قال:هذا الحديث أصل في حب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لنشر العلم وتعليم الناس بكل الوسائل المتاحة والمشروعة، حتى لا يبقى عليها من واجب أمانة التبليغ شيء!!

واللافت للنظر إن العقل الإحالي التمجيدي الذي ينادي بالاقتداء بأم المؤمنين في نشر العلم والتعليم بكل الوسائل المتاحة، لا يمكنه بحال أن يقبل أن تفعل زوجته أو أخته أو بنته أو أمه هذه الفعل أمام الرجال سواء أكانوا إخوان من النسب أو الرضاعة. فهل هان على الناس بيت النبوة وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الدرجة مقابل تقديس جهود رجال الأحاديث التي يعتريها ما يعترى أي عمل إنساني ؟!!

____________________

1-انظر إن شئت مقالي الاسطورة وأثرها في الفكر السني والشيعي.

 

الرجوع   >

الرئيسة   >

 

يسمح بالاستفادة من الموقع شريطة ذكر المصدر