4-المهارة اللفظية ليست ميزة في كل الأحوال.
بسبب تمكن الأمية وانتشارها في العالم الإسلامي،فإن تقاليد
الثقافة الشفهية ما زالت تطبع المعرفة السائدة لدينا،حيث يتم
الاعتماد على اللسان والسمع أكثر من الاعتماد على القلم
والعين.وهذه الوضعية تدفع دفعا إلى التأكيد اللفظي والإطناب
والخضوع لنظرات المخاطبين ومراعاة أحوالهم،ومن ثم يكون على
العقل أن يتحرك إلى الأمام بشكل أكثر بطئا متحفظا قريبا من
بؤرة الانتباه بالكثير مما تناوله قبلا،وهذا هو الذي يدفع نحو
الإطناب،أي تكرار ما قيل توا.( 26)
5-المنطق
التقليدي قليل الجدوى في حل مشكلاتنا المعاصرة.
لكن الخبرة التاريخية واتساع آفاق التفكير وتعقد الواقع،واتجاه
الأذهان نحو القضايا العملية كل ذلك نبه الأذهان إلى قصور مهام
المنطق التقليدي في عصمة الأذهان من الخطأ،وعجزه عن المساعدة
على استيعاب الواقع الموضوعي وحل المشكلات المعاصرة.
المنطق التقليدي يسعى إلى نوع من الاتساق والانضباط الشكلي أو
الداخلي بعيدا عن الواقع العملي.وهو منطق أقرب إلى أن يكون
عقيما في جوانب عديدة منه؛فالقياس مثلا لا يأتي بجديد؛إذ إن
نتيجته متضمنة في مقدمتيه،فحين نقول:سعيد إنسان،وكل إنسان
فان،وتكون النتيجة:سعيد فان.لا نكون قد جئنا بجديد سوى تنبيه
الأسماع إلى شيء من الفذلكة الذهنية!!(27)
6-انقسام الصفوة أعاق التقدم الفكري.
الإجماع على
التفاصيل في القضايا الإصلاحية مستحيل،ولا سيما حين تتسع
الرقعة،وتختلف الظروف والإمكانات والمعطيات…أما
الاختلاف في الأصول والأسس والمحاور بين الذين يفترض أنهم
يقودون سفينة واحدة،فإنه في الحقيقة أكبر من أن يوصف بأنه
مشكلة؛لأنه أوجد مشكلات لا حصل لها.ويبدو أن أسباب هذا
الانقسام عديدة،لكن يمكن اختزالها إلى سببين:
الأول:
هو
الزاد الثقافي والمعرفي الذي يتشبع به كل منا،فهناك من يعرف كل
شيء عن التاريخ والتراث والأحكام الشرعية،لكنه لا يقرأ ابدا
العلوم الاجتماعية،ولا يحاول إعمال الذهن في استيعاب الواقع
الموضوعي،وكيفية السيطرة عليه،والتحكم به وتوجيه.ولدينا فريق
ثان،يقف على الطرف الآخر،فخبرته الشرعية والتراثية قليلة
جدا.وثمة فئة محدودة جدا تبصر كل أجزاء الصورة،وتعرف الأولويات…ولعل
الله سبحانه يبارك في عددها وجهدها في خدمة الإسلام وأمته.وقد
أدى هذا الانقسام إلى إيجاد جزر ثقافية منعزلة،أوجد حيرة كبرى
لدى الأجيال الجديدة التي بدأت تشعر بقسوة العيش وانسداد
الآفاق وهم يجدون الكبار الذين سينيرون لهم الطريق منقسمين على
أنفسهم،ويتحدث كل منهم على موجة،ليس لها جهاز استقبال عند
الآخر!!(28) الثاني:مدى الاهتمام بالشأن العام للأمة،وتوفير
الشروط الموضوعية اللازمة لقيامها بحق الاستخلاف.وكثير ممن
نسميهم صفوة صرف همه إلى تحقيق أو تأليف كتاب،أو نشر مقال،يعلق
على نشره آمالا كبرى.
7-الطريقة التي نرى بها المشكلة هي المشكلة.
إن وجود المشكلات أمر طبيعي في حياة الناس،وربما يؤدي إنعام
النظر إلى الاعتقاد بأنها نعمة؛حيث تجدد رح المقاومة،وتخفز
آليات العمل و الحركة؛ولكن تراكم المشكلات دون حلول جيدة يؤدي
إلى إطفاء فاعلية الإنسان،وجعل الشروط الموضوعية للأداء العالي
المطلوب مفقودة.إن أهم مجال يتجلى فيه إبداع العقول البشرية هو
الحلول للمشكلات والمصاعب المختلفة التي تولدها حركة الرقي
قدرتنا على تحديدها وتوصيفها بدقة.وإن كل مشكلة يتم تحديدها
بشكل جيد هي مشكلة محلولة جزئيا.لذا يمكن القول:إن أشد
المعاناة لا تتجلى في طبيعة المشكلة،وإنما في طريقة رؤيتنا
لها،وتعاملنا بالتالي معها.(29)
الخـــــاتمة.
إن من المؤسف حقا أن تتحول أمة العلم والبحث والتجربة إلى أمة
تغلب عليها الأمية الفكرية،والأمية الثقافية،وأن نحتاج إلى من
يشرح لها مدى حاجتها إلى التفكير والتطوير والتجديد،مع أنها
تتلو كتاب ربها وسنة رسولها الذين يمجدا العلم والتفكير
والتجديد والاجتهاد في كل آن.إننا على قناعة متزايدة أن
الاهتمام بالعلم والتفكير وطرقه يعتبر من أفضل أنواع الاهتمام
الاستراتيجي في سلم الرقي بالأمة،وأن العقل البشري هو منحة
الله تعالى العظمى للذين يزيدون أن يحيوا حياة طيبة في الدنيا
والآخرة.إننا نرى اليوم بأم أعيننا أن الذين بأيديهم نواصي
المعرفة هم أكثر الناس قدرة على التصرف في الطبيعة،وأعظم قدرة
على إبداع النماذج وتطويرها،فقد استطاع العلماء أن يصنعوا من
عناصر الأرض التي تزيد على المائة بقليل أكثر من مليوني نوع من
المصنوعات.
___________________________
1-أصل هذا المبحث كان محاضرة بعنوان(قيمة التفكير في دعوة
الرسول)ألقاها المؤلف في مركز المنار بمدينة كاردف،والمركز
الإسلامي بمانشستر،ودار الرعاية بشفليد،عام 2000م.
2-مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة،لابن
القيم:1/187
3-مفتاح دار السعاد:1/182-183
4- مفتاح دار السعادة :1/187
5-المرجع السابق:1/196
6-المرجع السابق:1/207
7-مفتاح دار السعادة،المرجع السابق:1/181
8-المرجع السابق:1/214
9-مفتاح دار السعادة:1/180
10-ابن القيم،مفتاح دار السعادة:1/180
11-انظر:مفتاح دار السعادة:1/117
12-الفروسية،لابن
القيم:1/101
13-راجع:فصول في التفكير الموضوعي، د.عبد الكريم بكار:29-30
14-انظر:تكوين العقل العربي،د.عابد الجابري:29-41
15-راجع:مدخل إلى التنمية المتكاملة رؤية إسلامية،د.عبد الكريم
بكار:63
16-انظر:في النقد الذاتي،د.خالص جلبي:47
17-راجع:العبقرية والإبداع والقيادة،دين كيث سايمتن:122
18-راجع:مدخل إلى التنمية الشاملة:75
19-انظر:المرجع السابق:77-87
20-انظر:تنمية الإبداع د.زين العابدين درويش:16
21-تنمية الإبداع،المرجع السابق:19
22-انظر:المدخل إلى التنمية الشاملة:88-89
23-راجع:تعليم التفكير،إدوارد دوبونو:57-60
24-راجع:تعليم التفكير:81
25-المرجع السابق:83
26-راجع:المدخل إلى التنمية الشاملة:112
27-انظر:الشفاهية والكتابية،تأليف والترج أو نج:101-103
28-المدخل إلى التنمية الشاملة:119
29-انظر:المدخل إلى التنمية الشاملة:123-124
30-المرجع السابق:125
ثبت المراجع
1-القرآن الكريم.
2-صحيح البخاري،للإمام محمد ابن اسماعيل البخاري.
3-تفسير القرطبي،للإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي.
4-مفتاح دار السعادة،للإمام ابن قيم الجوزية.
5-الأخلاق النظرية،د.عبد الرحمن بدوي،الكويت،وكالة المطبوعات
1976م
6-تنمية الإبداع،د.زين العابدين درويش،القاهرة،دار المعارف،ط
الأولى 1983م
7-المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري،د.محسن عبد الحميد،قطر
سلسلة كتاب الأمة،ط الأولى،1404م
8-تعليم التفكير،إدوارد دوبونو،ترجمة د .عادل ياسين
وزميليه،الكويت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي،ط،الأولى 1989م
9-مدخل إلى التنمية المتكاملة رؤية إسلامية،د.عبد الكريم
بكار،1997م
10-مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي،د.عبد الكريم بكار،دار
المسلم،1996م
11-فصول في التفكير الموضوعي،د.عبد الكريم بكار ، دار
القلم،1998م
12-تكوين العقل العربي،د.محمد عابد الجابري،بيروت،دار الطليعة
الطبعة الأولى.
13-تشكيل عقل المسلم،د.عماد الدين خليل،وبعض إصدارات المعهد
العالمي للفكر الإسلامي.