أكبر مشكل يعانيه الفكر الإسلامي هو الخلط  بين دائرة تقديس المعرفي والعارف، فمثلا علم الحديث برمته ليس دينا كما زعم من قال بأن الاسناد من الدين، وأن علماء الحديث ليسوا مقدسيين، فنقد جهودكم ليس نقدا لثوابت الدين، ورد الحديث الشاذ سندا أو متنا ليس ردا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فإن إغلاق باب نقد المعرفة والعارف ضخم من النزعة الصنمية، ووسع من دائرة التفسيرات الحرفية النقلية التي انتجت العقل الحشوي التجبيسي، الذي مارس فكرا تأثيميا، وفقها جنائريا؛ على من خالف مقدساته؛ من معارف وعارف !!

 فلسفة تطور العقل وتدرج الشرع

فهم فلسفة تطور العقل البشري في أطواره المتعددة

فهم مقاصد تدرج الوحي ،وعلّية أنزال الشرائع

 

إدراك العلاقة بين تدرج الوحي وتطور العقل

 

ولا ريب فإن قيم الوحي ودلالاتها الأخلاقية والقانونية في سنن الاجتماع البشري وسنن الكون مطلقة وليست نسبية

 

 

أما تدرج الوحي في أنزال الشرائع حسب تطور عقل الانسان وحاجاته لضبط علاقته بغيره من بنى الانسان ، ومعرفة قوانين استعمار الأرض

أول ما خلق الله العقل ،فقال له :أقبل فأقبل ، ثم قال له:أدبر فأدبر.ثم قال الله عز وجل :وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب

 

ولا أخال أن تلك العقلية المقاصدية التي استطاعت التعامل من مقاصد الوحي بعقلية مقاصدية تراعي ظروف الزمان والمكان والانسان

قيمة التفكير في دعوة الرسول

 لا شك أن تطوير أي جانب من الجوانب المتصلة بشخصية الإنسان يعد بالغ الأهمية؛لأن تكلفته ليست كبيرة،ولأن ذلك قد يكون الخيار الوحيد في بعض الأحيان؛ولأن النجاح فيه قد يكون بعيد الأثر إذ يدفع بأمة من القاع إلى القمة.وليس لنا أن ننسى أن ذلك من وجه آخر لا يتم إلا ببطء شديد،فهو يحتاج إلى صبر لا يقبل النفاد،وإلى عناية فائقة،لكن لا توجد خيارات ولا بدائل عن النهوض بالإنسان خاصة في جانب فكره وتفكيره إلا هذا،وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.ومن هنا يمكن القول:إذا ما أردنا السير في سلم الريادة والقيادة،فإن علينا أن نشجع كل ما يؤدي إلى الثراء الذاتي،وذلك من خلال تشغيل أجهزتنا الفكرية والنفسية والجسمية أن يزداد التعبير عما نفعله،لا عما نملكه.ففي حال الإفلاس الشخصي يميل الميزان إلى صالح الامتلاك والاستهلاك،ويكثر المرء من قول:قالواوكنا نقول.أما في حالة الثراء ، فلغة المرء الذي يغز السير في سلم الريادة والقيادة،تتمحور حول:نحن أو أنا أقول كذا،ونحن أو أنا أفكر في كذا،ونحن أو أنا فعلت كذا!!

ولن نصبح أثرياء إلا إذا فهمنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه سلم كما ينبغي،وأصبحنا نفهم الواقع والمستقبل على حقيقته في إطار ذلك.لذا من المناسب أن نتناول في هذه العجالة قيمة التفكير في الإسلام وأهمية ذلك في مراحل نهوض الأمة وصعودها.

وقد قسمت البحث إلى فصلين:

الفصل الأول:قيمة التفكير في الإسلام

الفصل الثاني:أسس التفكير القويم

خاتمة

 

الفصل الأول:قيمة التفكير في الإسلام(1)

لا يخفى عليكم أن هذه الأمة إنما هي أمة القراءة؛فبالقراءة بدأ تكوينها،وبناؤها،وإنشاء تصوراتها،ومعتقداتها،وإقامة قواعد بنائها العقلي والنفسي؛كل ذلك بدأ بالأمر بالقراءة،قال تعالى:(اقرأ باسم ربك الذي خلق).بل لقـد تميزت هذه الأمة بأنها أمة(الجمع بين القراءتين)قراءة الوحي،وقراءة الوجود معا،فأي انحراف عن منهجية الجمع بين القراءتين،سواء بإهمال القراءتين والانصراف إلى منهجية أخرى،أو بالاقتصارعلى إحداهما سيؤدي إلى انحراف خطير في الفهم والسلوك.يقول ابن القيموهو بصدد حديثه عن ضرورة الجمع بين قراءة القرآن،وقراءة العيان،فيقول التفكر في القرآن نوعان:(تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه،وتفكر في القرآن عباده إلى التفكر فيه،فالأول تفكر في الدليل القرآني،والثاني تفكر في الدليل العياني،الأول تفكر في آياته المسموعة،والثاني تفكر في آياته المشهودة).(2)

وبعد نزول سورة(العلق)،ينهمر السيل،ويتعالى النداء المرة تلو المرة تأكيدا على ضرورة الجمع بين القراءتين وذلك بألفاظ متعددة ومتنوعة..اقرأ،تفكر،اعقل، تدبر،تفقه،انظر،تبصر..ويجد عقل المسلم نفسه ملزما؛بمنطق الإيمان نفسه بأن يتحول،أن يتشكل من جديد كي يتلاءم مع التوجه القرآني الذي أراده الله له. يقول ابن القيم في ذلك:(وهذه معان متقاربة تجتمع في شيء وتتفرق في آخرثم يفصل القول فيشرح كل كلمة من هذه الكلمات شرحا مفصلا فيقول:ويسمى تفكرا:لأنه استعمال الفكر في ذلك وإحضاره عنده.ويسمى تذكرا: لأنه إحضار للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله وغيبته عنه،ومن قوله تعالى:(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون).ويسمى نظرا: لأنه التفات بالقلب إلى المنظور فيه.ويسمى تأملا:لأنه مراجعة للنظر كرة بعد كرة حتى يجلى له،وينكشف لقلبه.ويسمى اعتبارا:وهو افتعال من العبور؛لأنه يعبر منه إلى غيره،فيعبر من ذلك الذي قد فكر فيه إلى معرفة ثالثة وهي المقصودة من الاعتبار؛ولهذا يسمى عبرة،وهي على بناء الحالات كالجلسة والركبة،والقتلة،إيذانا بأن هذا العلم والمعرفة قد صار حالا لصاحبه يعبر منه إلى المقصود به،وقال الله تعالى:(إن في ذلك لعبرة لمن يخشى)وقال:(إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار). ويسمى تدبرا:لأنه في أدبار الأمور،وهي أواخرها وعواقبها،ومنه تدبر القول، وقال تعالى:(أفلم يدبروا القول)وتدبر الكلام أن نظر في أوله وآخره،ثم يعيد نظره مرة بعد مرة،ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين.ويسمى استبصارا:وهو استفعال من التبصر،وهو تبين الأمور وانكشافه وتجليه للبصيرة).(3)

وتأمل معي هذا الكم الكريم من الآيات في هذا الصدد،قال تعالى:(أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت أباءهم الأولين)،وقال:(فاعلم أنه لا إله إلا الله)،وقال:(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته،وليتذكر أولوا الألباب)،وقال:(وما يعقلها إلا العالمون).وقال:(أفلا يتدبروا القرآن أم على قلوب أقفالها)،وقال:(هل يستوى الذي يعلمون والذين لا يعلمون)وقال:(قل إنما أعظكم بواحدة)،وقال:(فذكر بالقرآن من يخاف وعيد)،وقال:(ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا من خشية الله،وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون).يقول ابن القيم معلقا على ذلك:(ولهذا أنزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه ويعمل به،لا لمجرد تلاوته مع الإعراض عنه..).ويقول:(فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب).(4) 

-دعوة القرآن الكريم للتفكر والتفكير:

ثم دعا القرآن الكريم الناس إلى التفكر والتبصر بحقيقة وجودهم،وارتباطاتهم الكونية عن طريق(النظر الحسي)إلى ما حولهم،ابتداء من مواقع أقوامهم،وانتهاء بآفاق النفس والكون،وأعطى للحواس مسؤوليتها الكبيرة عن كل خطوة يخطوها الانسان المسلم في مجال البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجريب.قال تعالى:(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا).

وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى خلقه فقال:(فلينظر الإنسان مما خلق) يقول ابن القيم في هذا الباب(فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ثانيا وأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا لها سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا،بل عظما واحدا من أصغر عظامها بل صنع الله الذي أتقن كل شيء في قطرة من ماء مهين،فمن هذا صنعه في قطرة ماء فكيف صنعه في ملكوت السموات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وتفاوت مشارقها ومغاربها.فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة،بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع العجائب من بدن الإنسان)(5)

وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى طعامه(فلينظر الإنسان إلى طعامه)،(انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه)وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله إلى الملكوت:(أولم ينظروا إلى ملكوت السموات والأرض) يقول ابن القيم في ذلك:(..فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارهاولا عمد تحتها ولا علاقة فوقها بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا)(6)

وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى التاريخ وحركة الإنسان في الأرض فقال:(أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة المكذبين)وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى خلائق الله، فقال:(أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت،وإلى السماء كيف رفعت،وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت)وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى النواميس الاجتماعية،فقال:(انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض).

وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى نواميس النمو،فقال:(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين،ثم جعلناه نطفة في قرار مكين،ثم خلقنا النطفة علقة،فخلقنا العلقة مضغة،فخلقنا المضغة عظاما،فكسونا العظام لحما،ثم انشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين) وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى الطبيعة، فقال:( فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الله الأرض بعد موتها). 

وناداه أن يمعن النظر إلى ما حولهإلى الحياة الأولى كيف بدأت،فقال:(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق).ومن هنا نفهم تأكيد القرآن الكريم على أن السمع والبصر والفؤاد جميعا هي التي تعطي للحياة الإنسانية قيمتها وتفردها،وأن الإنسان بتحريكه لهذه القوى والطاقات،بفتحه هذه النوافذ على مصراعيها باستغلاله لقدراته الفذة حتى النهاية في الجمع بين القراءتين الوحي والكون معا،سيصل قمة انتصاره العلمي والديني على السواء،وبهذه الانتصارات سيتيبوء مركزه المسؤول سيدا على العالمين، وخليفة لله في الأرض،كما قال تعالى:(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)،وقال:(يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).

وأن الإنسان بتجميده لهذه الطاقات،وقفل نوافذها،وسحب الستائر والأغشية عليها، يكون قد اختار بنفسه المنزلة الدنيا التي ما أرادها الله له يوم منحه نعمة السمع والبصر والفؤادمنزلة البهائم والأنعام،(فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفتدئهم من شيء)،(أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم،وأعمى أبصارهم)،(ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس،لهم قلوب لا يفقهون بها،ولهم أعين لا يبصرون بها،ولهم أذان لا يسمعون بها،أولئك كالأنعام بل هم أضل،أولئك هم الغافلون).

نختم هذا الحشد المبارك من الآيات الدالة على أهمية الجمع بين القراءتين،وضرورة التفكرفيهما والربط بينهما،وضرورة استخدام وسائل التلقي والفهم،السمع،والبصر،والفؤاد كما ينبغي.نختم هذا بقول تعالى:(إن في خلق السموات والأرض،واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب).

فقد جاء من السيد عائشة رضي الله عنها أنها قالت:(لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي،فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة،فوجده يبكي،فقال:اتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ما تقدم وما تأخر؟فقال:يا بلال لقد أنزل الله علي الليلة آية(إن في خلق السموات والأرض)ويل لمن قرأها ولم تتفكر فيها).قلت:هذا الوعيد كان في آية واحدة...فكيف بمن يقرا القرآن يوميا ولا يتفكر فيه!!وقد قال رسول:يا رب إن قومي اتخذوا هذه القرآن مهجورا!!

يقول القرطبيشارحا لمعنى التفكير والتفكر الوارد في هذه الآيات الكريمة:(والفكرة:ترد القلب في والشيء يقال تفكر،ورجل فكير أي:كثير الفكر.ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله،فقال:(تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فأنكم لا تقدرون قدره).إنما التفكر والاعتبار وانبساط الذهن في المخلوقات كما قال تعالى:(يتفكرون في خلق السموات والأرض).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(لأن التقدير والتفكير يكون في الأمثال والمقاييس،وذلك يكون في الأمور المتشابهة،وهي المخلوقات،وأما الخالق جل وعلا فليس له شبيه ولا نظير).

- من معاني التفكير:

فإذا كان التفكير الذي ننشده هو التفكير في الوحي وفي المخلوقات فيمكن لنا أن نعرف التفكير بأنه:(كل نشاط عقلي،هادف ،مرن،يتصرف بشكل منظم لفهم المسائل،وتفسير الظواهر المختلفة،والحكم عليها باستخدام منهج معين يتناولها بالملاحظة الدقيقة للوصول إلى قوانين ونظريات في ذلك).ويعرفه ابن القيم بقوله:(فاعلم أن التفكر طلب القلب ما ليس بحاصل من العلوم من أمر هو حاصل منها،هذه حقيقته،فإنه لو لم يكن ثم مراد يكون موردا للفكر استحال الفكر؛لأن الفكر بغير متعلق متفكر فيه محال،وتلك الموارد هي الأمور الحاصلة،ولو كان المطلوب بها حاصلا عنده لم يتفكر فيه).(7)   

ثم يرسم الخطوات التي يسير عليها التفكير المنظم الذي يثمر التذكر ويثمر العلم النافع الذي يعقبه العزم القوي والإرادة الصادقة في مزاولة العمل الصالح،فيقول:(فالمتفكر ينتقل من المقدمات والمبادئ التي عنده إلى المطلوب الذي يريده،فإذا ظفر به وتحصل له تذكر به وأبصر مواقع الفعل والترك وما ينبغي إيثاره وما ينبغي اجتنابه،فالتذكر هو مقصود التفكر وثمرته،فإذا تذكر عاد بتذكره على تفكره،فاستخرج ما لم يكن حاصلا عنده ، فهو لا يزال يكر بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره ما دام عاقلا؛لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد،بل هو دائما سائر بين العلم والإرادة).(8)  

إذن:يمكن لنا القول:بأن التفكير هو:انتباه طويل،ومركز،ومستمر.ومادام الأمر بهذه الصورة فمن المناسب أن نعرج على تعريف ثلاث مقدمات هامة في عملية التفكير الصحيح وهي كالتالي:

1-الخبرة:وهي مايتزايد باستمرار مما يسجل في الذاكرة،من وقائع وضوابط،ودوافع وقواعد،وفروض.

2-الوعي:هو استخدام الخبرة استجابة للإرادة(معرفة الأشباه والنظائر+والاجتهاد المقاصدي) .

3-التفكير:هو مهارة التشغيل التي تؤثر من خلالها الإمكانات الذهنية في الخبرة.

وفي هذه الإطار المعرفي يمكن لنا فهم عنونة أئمة السنة والحديث عنوانا خاصا بطلب العلم والحث عليه،والتفكر فيه،فقد ذكر البخاري باب:فضل العلم،وباب:الفهم في العلم،(فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)(ومن سلك طريقا)(إنما يخشى الله من عباده العلماء)(ومن يرد الله به خيرا).(انظر:مدخل إلى التنمية المتكاملة)

وكذلك يمكن فهم كلام السلف في الاهتمام الواضح بعملية التنمية الفكرية،والتفكير القويم،وأن ذلك أفضل من قيام الليل،بل أفضل من كثير من العبادات،فقد جاء عنهم:(لا عبادة كتفكر)،(تفكر ساعة خير من عبادة سنة)وعندما سئلت أم الدرداء عن شأن أبي الدرداء،قالت:كان أكثر شأنه التفكير.وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر،قال:ليست هذه عبادة،إنما العبادة الورع عما حرم الله،والتفكر في أمر الله.

ويذكر ابن القيم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول:(ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب..).(9) وما قاله الفضل:(...التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك..)،وما قاله الشافعي:( استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكرة..).(10)   

ولا يخفى أن كتاب ابن القيم(إعلام الموقعين)قد شرح فيه كتاب عمر بن الخطاب الذي أرسله إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما،حيث ركز ابن القيم أيما تركيز على هذه المقالة التي جاءت في خطاب عمر رضي الله عنه،وهي(الفهم الفهم)،ولا يخفى أن الفهم لا يكون إلا بالعقل السليم الذي هو مناط التكليف وأداة الإدراك،وهو الذي يميز بين الخير والشر.فيقرر ابن القيم ذلك بقوله ابن القيم:(فهو آلة العلم وميزانه الذي به يعرف صحيحه من سقيمه وراجحه من مرجوحه،والمرآة التي يعرف بها الحسن من القبيح)(11)   

- القرآن وإدانة معوقات عملية التفكير :

لا ريب أن القرآن الكريم أدان بشدة معوقات التفكير والنظر،وكل من يمارس عمليات الإغتيال العقلي على الإنسان والإنسانيةبمعنى آخر فإن القرآن قد اعتنى إيما اعتناء بتحطيم الطاغوتية المانعة من التفكر والنظر فيما جاءت به الرسل الكرام،قال تعالى:(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا إن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)،وإدانة الفرعونية،قال تعالى على لسان فرعون:(ما أريكم إلا ما أرى)،وتكسير السامرية،قال تعالى:(واضلهم السامري)،وإلغاء الملائية،قال تعالى على لسانهم:(وقال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن أمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه).وتهديم الأبائية،قال تعالى:(قالوا:بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا،أولوا كان أباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون).

يقول ابن القيم رحمه الله بهذا الصدد:(ونحن نبرأ إلى الله من هذا الخلق الذميم والمرتع الذي هو على أصحابه وخيم،ونتولى علماء المسلمين ونتخير من أقوالهم ما وافق الكتاب والسنة،ونزنها بهما،ولا نزنهما بقول أحد كائنا من كان،ولا نتخذ من دون الله ورسوله رجلا يصيب ويخطىء،فنتبعه في كل ما قال،ونمنع بل نحرم متابعة غيره في كل ما خالفه فيه.وبهذا أوصانا أئمة الإسلام،فهذا عهدهم إلينا،فنحن في ذلك على منهاجهم وطريقهم وهديهم دون من خالفنا).(12) 

كل ذلك كي لا يحس الإنسان المسلم بالدونية ، ولا تدور في خاطره آية فكرة عن(سلبية)دوره في العالم ، فلقد أراد الله سبحانه للإنسان أن يكون خليفته في الأرض(إني جاعل في الأرض خليفة)،فمنحه القدرة العقلية على التعلم والتفكر(وعلم آدم الأسماء كلها)، والمقدرة الجسدية على التنفيذ والعمل والإبداع(قلنا اهبطوا منها جميعا،فإما يأيتنكم مني هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)والإرادة الحرة لاختيار أسلوب الحياة التي يقود إليها فكره(فمن شاء فليؤمن،ومن شاء فليكفر)،(لا إكراه في الدين)(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).

 

 يتبع>>>

 

مواقع علمية