|
ثالثا:أصالة تقسيم الدور:
إن
هذا التقسيم الذي وضعه الفقهاء للعالم تقسيم أصيل
وإن لم يجر به الاصطلاح في عهده صلى الله عليه
وسلم فهو لم يكن ابتداعاً ابتدعه الفقهاء، بل إن
أصوله في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، شأنه
في ذلك شأن كثير من التقسيمات في الفقه الاسلامي.
ففي القرآن الكريم نجد تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر
كما في قوله تعالى:(هو الذي خلقكم فمنكم
كافر،ومنكم مؤمن).(التغابن:2)، ولكل من هذين
القسمين بلاد أو دار تجمعهم ،كما قال
تعالى:(سأوريكم دار الفاسقين).(الأعراف:145)
,وقوله:( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق
..الآية).(الحج:40) وقوله:(والذين تبوءوا الدار،
والإيمان ،من قبلهم يحبون من هاجر
إليهم).(الحشر:9).قال الزمخشري:(أراد دار الهجرة
والإيمان، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف
إليه وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه
مقامه).(15) وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية:(أي
سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل
كثير منهم).(16)
وفي السنة النبوية وفي الآثار عن الصحابة جاء هذا
المعنى واضحاً باسم دار الشرك،ودار السنة ، ودار
الإسلام ، ودار الهجرة ، وهذه الثلاثة الأخيرة
تعني حقيقة واحدة ، وتنوعت فيها التسمية بتنوع
الوصف . وهذه طائفة من الأحاديث والآثار في ذلك:
- روى النسائي في سننه عن جابر بن زيد قال:قال ابن
عباس:( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر
وعمر كانوا من المهاجرين،لأنهم هجروا
المشركين،وكان من الأنصار مهاجرون لأن المدينة
كانت دار شرك فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ليلة العقبة).
-وروى الإمام مسلم في صحيحه عن بريدة قال:(كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على
جيش أو سرية أوصاه..ثم قال :وإذا لقيت عدوك من
المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال،فأيتهن ما أجابوك
فاقبل منهم وكف عنهم، أدعهم إلى الإسلام، فإن
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم،ثم ادعهم إلى التحول
من دارهم إلى دار المهاجرين.).
فالدار الأولى هي دار المشركين،والثانية هي دار
المهاجرين وهي دار الإسلام،التي جاءت في رواية
الإمام محمد بن الحسن الشيباني للحديث بلفظ صريح
في تسميتها دار الإسلام، فقال:(..وادعوهم إلى
التحول إلى دار الإسلام.
-روى الإمام أبو يوسف القاضي في كتابه الخراج ،عن
سليمان بن بريدة أن عمر رضى الله عنه بعث سلمة بن
قيس على جيش فقال:(فإذا لقيتم عدوكم من المشركين
فادعوهم إلى ثلاث خصال:ادعوهم إلى الإسلام، فإن
أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة).
-وروى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس،أن
عبدالرحمن بن عوف قال لعمر بن الخطاب:(يا أمير
المؤمنين: إن الموسم الحج يجمع رعاع الناس
وغوغاءهم، وإني أرى أن تمهل حتى تقدم المدينة،
فانها دار الهجرة والسنة).
- وجاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة:(وجعلت
لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة، أو كان
غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه:طرحت
جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام
بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار
الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على
عيالهم).
ففي هذه الأحاديث والآثار وفي غيرها أيضا جاء
اسم(دار الهجرة)و(دار الإسلام)و(دار السنة)و(دار
الشرك)كما رأينا، فقد كانت هذه المسميات موجودة
منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة،
وحتى لو لم تستعمل مصطلحاً شائعاً مشتهراً، فإن
الأحكام التي طبقها الفقه بعد ذلك على الوحدة التي
سموها(دار الإستجابة)والأخرى التي سموها( دار
الدعوة) كانت موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم،
واستمد الفقه منها تقنينه لما اطلق عليه كل من
الاسمين، فلا دلالة إذن للقول بأن هذه التسمية
طارئة مستحدثة ، ولا سند للقول بعدم شرعية تقسيم
العالم إلى دارين ؛ دار استجابة ، ودار دعوة.
ومن استقراء أقوال الفقهاء في تقسيم العالم إلى
دار استجابة ودار دعوة يظهر أنه لا علاقة لحال
الحرب بأصل التقسيم ، إذ هو-كما سبق- عند جمهور
الفقهاء مبني على سيادة الأحكام ، ولذلك فإن بناء
التقسيم على أصل العلاقة سلماً أو حرباً فيه عكس
للقضية،فإن العلاقات إنما تتحدد بناء على وصف
الدار وموقف أهلها من الإسلام ودعوته.
وهكذا فإن تقسيم الدور الأصلية ثابت عند الفقهاء
ومحل إتفاق،وليست له علاقة بقضية الحرب والسلم حتى
يمكن أن تتغير الأوصاف،فإن الأوصاف الأصلية وهي
دار الاستجابة ، ودار الدعوة،لاتزال ما دام هناك
مسلمون وغير مسلمين؛ وهناك شريعة إلهية وقوانين
بشرية ، فلا يجوز أن تخلط هذه المفاهيم بعضها
ببعض،وتسقط هذه الأوصاف لمجرد وجود شبهة علاقة بين
مصطلح الكفر بالحرب،وهذا غير وارد حتى عند الحنفية
الذين اشتهروا باستخدام مصطلح دار الحرب في كتبهم.
فقد صرح الشيخ الزرقا الضليع في المذهب الحنفي
بذلك حيث قال:(ليس المراد بدار الحرب في اصطلاح
الحنفية أن يكونوا في حالة حرب قائمة بينهم وبين
المسلمين ، بل المراد بدار الحرب أنها غير إسلامية
، بل مستقلة غير داخلة تحت سلطة الإسلام).(17)
وبالتالي فإن هذا التقسيم للعالم إلى دارين قصد به
التفريق بين الدار التي تجري عليها أحكام القرآن
وتحت سيطرت السلطان من غيرها التي تظلها أحكام
البشر الوضعية وتقاد بذلك ، علما بأن هذا التقسيم
لا علاقة له بدين الاغلبية أو الأقلية،ولا بتغاير
الدين بين السلطة والرعية .وإنما مرده إلى تحقيق
مقاصد عليا في السياسة والالتزام ، وذلك على مستوى
تنظيم العلاقات الدولية بين دار الاستجابة ودار
الدعوة في حالات السلم والمدافعة ، وعلى صعيد
الإلتزام بالأحكام الشرعية المنوطة بالأفراد
والإلتزام الشخصي ومراعاة الأحكام التي هي من مهام
الأمراء ووظائف الولاة التي تتأثر مناطات أحكامها
باختلاف الدارين .(18)
رابعا: الأبعاد الفلسفية لاختلاف الدارين:
البعد الأول :اعتبار القيمة الملّية للإنسان
والمكان:
مما لا شك فيه أن الشريعة الإسلامية قد اعتبرت
للمكان الذي تحكمه ، والإنسان الذي يدين بمبادئها
أو يخضع لها ؛ قيمة ملّية في الدنيا من حيث العصمة
؛ إما دينا وإما عهدا ، ومن حيث الالتزام بها حكما
، وتشريعا ، وتحاكما ، وفي الآخرة دار النعيم
والثواب الجزيل لمن حقق شروط الدخول . فإذا اختلف
المكان ، ورضي الإنسان بأحكام غير الإسلام ، فإن
القيمة الملّية حينئذ تنحصر عنهما،ويصبح اعتبار
القيمة الملّية للإنسان بحسب التزامه الشخصي
بالإسلام ، أما القضايا الكبرى المنوطة بالمكان
وقوة السلطان ؛ كتحكيم الشريعة ، وتغيير القوانين
العامة في السياسة ؛ والقضاء ، والقانون،والاقتصاد
، والاعلام،فلا سبيل لها إلى القيمة الملّية ، إلا
من باب الالتزام بالأعراف والعهود والعقود
والمواثيق السائدة في ذلك المكان.
لذلك يمكن القول بأنه لا علاقة لاعتبار القيمة
الملية للمكان والإنسان بحالة الحرب والسلم ، ولا
بحالة الأمان وعدمه،وإنما باعتبار الإيمان
بالإسلام على المستوى الفردي،وولاية سلطان الشريعة
على صعيد المكان،وبهذه الاعتبارات رأى بعض الفقهاء
امتناع تطبيق الحدود على المسلم الذي ارتكب موجبها
وهو في دار الدعوة ،لأن ولاية سلطان المسلمين على
ذلك المكان منعدمة ، وتطبيق الشريعة والقضاء بها
يقتضي الولاية .
البعد الثاني:اعتبار الخصوصية الملّية للديانات: منها
عدم حتمية إقامة الحدود الإسلامية على رعايا
الدولة الإسلامية إلا إذا تحاكموا إلينا،أو كانت
هذه الجرائم تمس أمن البلاد ودين العباد وحقوق
الأفراد،كما قال تعالى:(فإن جاءوك فاحكم بينهم،أو
أعرض عنهم،وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ،وإن حكمت
فاحكم بينهم بالقسط،إن الله يجب
المقسطين).(المائدة:42)
قال ابن تيمية في تفسير هذه الآية:(وحقيقة
الآية،إن كان مستجيبا لقوم آخرين لم يأتوه ،لم يجب
عليه الحكم بينهم،كالمعاهد والمستأمن وغيره،الذي
يرجع إلى أمرائه وعلمائه في دارهم،وكالذمي الذي إن
حكم له بما يوافق غرضه وإلا رجع إلى أكابرهم
وعلمائهم،فيكون متخيرا بين الطاعة لحكم الله
ورسوله،وبين الإعراض عنه.وأما من لم يكن إلا مطيعا
لحكم الله ورسوله،ليس عنه مندوحة،كالمظلوم الذي
يطلب نصرة على ظالمه، وليس له من ينصره من أهل
دينه.فهذا ليس في الآية تخيير،وإذا كان عقد الذمة
قد أوجب نصره من أهل الحرب،فنصره ممن يظلمه من أهل
الذمة أولى أن يوجب ذلك).(19)
ويؤكد ابن عاشور على هذه الخصوصية الملّية
بقوله:(وأحسب أن التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول
صلى الله عليه وسلم في ذلك ليس لأنهم يصدقون
برسالته،ولا لأنهم يعدون حكمه ترجيحا في
اختلافهم،ولكن لأنهم يعدونه ولي الأمر في تلك
الجهة وما يتبعها).ويقول أيضا:( وقد خير الله
تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم
والإعراض عنهم ...ثم قال:والآية تقتضي تخيير حكام
المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكموهم؛لأن
إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكام مساو
إباحته للرسول).ويقول في موضع أخر:( وقد دل
الاستقراء على أن الأصل في الحكم بين غير المسلمين
إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكام
ملتهم،فإذا تحاكموا إلى حكام المسلمين فإن كان ما
حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكل ما ينتشر منه
فساد فلا خلاف أنه يجب الحكم بينهم (وعلى هذا
فالتخيير الذي في الآية مخصوص بالإجماع)وإن لم يكن
كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات).(20)
يتبع>> |