|
مخاطر التوظيف السياسي للخطاب الديني
أشرت
في مقالات سابقة إلى ضرورة الفرز بين دائرة (إسلام
النص)ودائرة (إسلام التاريخ)في إطار الاستدلال
وقوة الاحتجاج وهي ضرورة منهجية أساسية. وفي هذا
المقال أعرج على ضحايا (إسلام التاريخ)وذلك
بمناسبة قتل رئيس العراق المخلوع يوم العيد ، وما
صاحب ذلك المشهد من تهليل وتكبير!! فقلت في نفسي
كم من قتيل كفر وقتل في تاريخ المسلمين باسم
الدين(إسلام التاريخ)،والدين من دمه بريء(إسلام
النص).وربما يكون ذلك المقتول عابدا ناسكا عالما
لكنه من ذوي العقول الحرة،والأفكار النيرة ،
والاجتهادات المتجددة التي بالضرورة تخالف أنظمة
الحكم المستبدة ومنظومة الفقه الكلاسيكي المسيطرت
آنذاك !!
المهم أنه بصورة من الصور تم توظيف الخطاب الديني
لإضفاء الشرعية الدينية على السلطة الحاكمة،وشرعنة
التكفير والقتل والصلب للمخالفين للسلطتين
معا(الأمراء-والفقهاء).ولاريب أننا في هذه الحالة
إزاء سلطة سياسية توظف الدين لإضفاء القداسة على
سلطتها والقائمين عليها(أوليس الخليفة ظل الله في
الأرض فمن أهانه فقد أهان الله!!)،ومن ثم إخضاع
البلاد ورقاب العباد لسلطتها المطلقة،وتكميم أفواه
مخالفيها ،وسد مسامات التفكير والأبداع والاجتهاد
والتأويل في الفهم والتطبيق،وكل ذلك باسم
الدين(إسلام التاريخ)!! فلك أن تتصور حجم الطاقات
البشرية التي أهدرت،وكم من لبيب أقصي،وكم من رأي
سديد همش،وكم من انتاج معرفي أقبر،وكم من عالم
كفر،وكم من مفكر صلب...من جراء هذا التوظيف المشين
للخطاب الديني والحلف الثنائي بين الأمراء وبعض
الفقهاء!!
ولعل
نظرة سريعة إلى صفحات من تاريخنا كفيلة بأن تضعنا
أمام مشاهد متنوعة وصور متباينة من ذلك
التوظيف(السياسديني)على كافة مستويات
التوظيف(المليّ)و(المذهبي)و(الفرقي)،وليس قصدي في
هذا المقال العيش في التاريخ ولا إدانة التاريخ
(فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت)،ولكن الذي يؤرقني
ويؤرق كل عاقل أن نقع فريسة لضراوة سلطة التاريخ
والتوظيف(السياسديني)والتي تنتقل عدواها عبر العقل
القياسي والفهم الكلاسيكي الذي لا يفرق بين(إسلام
النص)و(إسلام التاريخ)ولا يميز بين الإلهي
والبشري،والمطلق والنسبي!!حينئذ يصبح الحاضر
ماضيا، وينعدم المستقبل،ويضحى الجميع بكل
أطيافهم(الملية،والمذهبية،والفرقية)رهنا لتلك
العقول التي تقيس(الحاضر على الغائب)وتعيش(التاريخ
وسلطته)، فيومئذ لا مفر للجميع ولات حين
مناص!!والأدهى والأمر أننا حيال سلطة(إسلام
التاريخ=تاريخ السلطتين؛السياسية والدينية +سلطة
التاريخ بمعنى قوة الماضي على الحاضر)لا قبل لنا
بالنظر في مكوناتها،ولا بتعديلها،ولا
بمراجعتها،ناهيك عن تمييز سلطتها عن سلطة(إسلام
النص)ومن ثم تجاوزها.لذا فأننا إن لم نقم بهذا
الفصل وتلك المراجعة بين(إسلام النص)و(إسلام
التاريخ)وفك الاشتباك بينهما وأنزال كلا منهما
منزلة تليق به؛ فسوف تعيش الأمة البشرية بكل
أطيافها أبدا الدهر اسوأ حالات
التوظيف(السياسديني)من تكفير وقتل،وصلب
وتنكيل،وإقصاء وتهميش بمجرد الخلاف المليّ،والتنوع
الفكري،والتأويل المنطقي،والموقف السياسي !! مما
يجعل ولوج هذا المعترك الصعب أمر لا مفر منه
بالنسبة لذوي العقول الحرة والأختصاص .
كما
لا يخفى أن موضوع التوظيف(السياسديني)يلقي بعجره
وكلكله على المشروع السياسي الإسلامي برمته من
خلال زاويتين،زواية داخلية،وزواية خارجية.فأما على
المستوى الداخلي فلابد له من إجراء علمي منهجي جاد
مفاده فرز حقيقة(إسلام النص)من(إسلام
التاريخ)،وتمييز(الواجب)من(المباح)وفك الاشتباك
بين(المضمون)و(الشكل)،
وبين(الذات)و(القيمة)،وبين(الدين)و(أشكال التدين)،
وهذا الإجراء ليس من نافلة القول والفعل بل إن لم
يقم بهذا المشروع المنهجي ويتخفف من حمل
التابوت(الحاوية)فسوف يرهق نفسه وأتباعه ومخالفيه
بل المنطقة بأسرها!!
أما
على المستوى الخارجي :فينبغي على المشروع
السياسي(سني-شيعي-أباضي)أن يطمئن خصومه بكل
أطيافهم(الملي،المذهبي،الفرقي)بأنه ملتزم
بقيم(إسلام النص)دون التشبث بأنماط(إسلام
التاريخ)،وأن يتخلى عن التسويق لنماذج
التوظيف(السياسديني)وأساليبه القمعية(إنماط
حكم-وإجماعات داعمة)،وإدانةالأنماط الوراثية
الأسرية في التولية والحكم والمشاركة ،وشجب طرق
توزيع الثروة بين الناس،وإلغاء حزمة القوانين
الدينية المسيسة(فتاوى-إجماعات)التي منعت حرية
ابداء الرأي وحق التعبير والتنظيم ،وأخيرا ينبغي
أن تتضمن هذه الدعوة ممارسة عملية حقيقية تبرهن
عدم توظيف الدين لصالح مشروعها السياسي في حشد
الجماهير، وكبت مخالفيهم وتكفيرهم .
وليكن
في حسباننا بأن تلك المخاوف التي يبديها خصوم
المشروع السياسي الإسلامي ليست خيالية بل هي مخاوف
حقيقة ماثلة في التاريخ الإسلامي سواء في انقلاب
نمط الحكم الراشد إلى أنماط الوراثة والتسلط
والجبر والعاض،أو على مستوى توظيف الخطاب الديني
لصالح هذه الانماط الوراثية المستبدة والتي جيرت
ذلك التوظيف على مراتب متعددة،مرتبة شرعية الحكم
بـ(انعقاد الاجماع على ولاية المتغلب)،ومرتبة
شرعية سحق مخالفيه والمتمردين عليه بـ(انعقاد
الإجماع على قتل البغاة)،ومرتبة شرعية تحريم
وتجريم الرأي بـ(انعقاد الاجماع على إدانة
المخالفين في الفكر=وتسميتهم بأهل الأهواء
والبدع)؛بل تكفير وقتل من يخالف رأي السلطان
وعقيدته وإن كان ذلك السلطان من أبعد الناس عن
الفهم والاجتهاد ؛أولم يكفر من لم يعتقد بأن
القرآن مخلوق،أولم يجز في ذلك رأس أحمد بن نصر
المروزي، ويقتل نوح ابن مريم ،ويضرب أحمد بن حنبل
!!
إذن
نحن أمام أزمة منهجية أصولية ملحة تلقي بظلالها
على قيم الإسلام جملة،وعلى علاقة التنوع
البشري(الملي-المذهبي-الفرقي)جملة،مما يحتم ضرورة
النهوض والمراجعة والمواجهة الفكرية والنقدية لكل
ما هو بين أيدينا،والخروج والإنفكاك عن المنهج
النعامي الذي يردم الرؤوس في أوحال الماضي دون
مراجعة ونقد،وفك وتحليل وتركيب ، ودونما مواجهة
للواقع واستشراف للمستقبل !؟!
صور من القتل السياسي باسم
الدين !!
لا
يخفى على قاريء كتب التاريخ أنها تحمل في ثناياها
ألبوم ضخم لضحايا التوظيف(السياسديني)على كافة
المستويات(الملّية،والمذهبية،والفرقية)،لذا سوف
انتقي بعض الصور من ذلك الألبوم المأسوي بغرض
الثبت بأن عملية التوظيف عبر الماضي والحاضر قد
تمت على كافة المستويات،ومن ثم التأكيد على أهمية
إلتزام منهجية فرز(إسلام النص)من (إسلام
التاريخ)،وأن تأخيرها أو تركها يعني استمرار عملية
التوظيف والتي تطال القاصي والداني وتأتي على
الأخضر واليابس جملة !!
فإذا كان ذلك كذلك،فلنبدأ بعرض صورة من الحاضر
القريب ثم نتوغل في الماضي البعيد، ويعلم الجميع
أنه ليس من همي في هذا المقال الدفاع عن أحد ولا
ذم أحد من الذين قتلوا في الحاضر ولا في
الماضي،كذلك لا يعنني الجدل التاريخي بين الفرق
والمذاهب في القديم والحديث، الذي يهمني في هذا
المقام بالدرجة الأولى الوقوف على حجم التوظيف
السياسي للخطاب الديني عبر الماضي ،والذي يلقي
بعجزه وكلكله على حاضرنا في إطار المشروع الدولة
الإسلامية وخطابها الديني !!
ففي الحاضر القريب من شهر ذي الحجة 1427هـ قد ضحى
بالرئيس العراقي المخلوع يوم عيد الأضحى في
بالعراق،وهو يحمل مصحفه ويتشهد شهادة
الإسلام،والذين قتلوه كانوا ذكر وتعبد من تهليل
وتكبير وصلاة على رسوله وآله!! وفي ذات اليوم ولكن
في عام(119هـ)أي ما يقرب من(1250 سنة)قد ضحى خالد
القسري خطيب صلاة العيد،وأحد حكام العراق بصاحب
رأي اسمه الجعد ابن درهم يوم العيد ،في مصلى العيد
عند المنبر، أمام عدد غفير من المصلين بالبسمة
والتكبير والتهليل،والتناء العطر على القاتل
واللعنة على المقتول!!
فقد روى
الإمام البخاري في كتاب "أفعال العباد" وابن أبي
حاتم في كتاب السنة وغير واحد ممن
صنف في كتب السنة:أن خالد بن عبدالله القسري خطب
الناس في عيد
أضحى فقال: أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم
فاني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن
الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما
تعالى الله عما يقول الجعد بن
درهم علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر!!
وجاء في بعض الروايات زيادة إيضاح تصور عملية
القتل،حيث أن خالد القسري قد أوثق الجعد كتافا؛قبل
أن يصعد المنبر ويخطب في الناس خطبته تلك؛ ثم ربطه
في أصل المنبر،وانه لما ذبحه كان مقيدا؛ثم تركه
ملقيا تحت المنبر!!
وقد علق ابن تيمية على ذلك بقوله: ثم نزل خالد
من المنبر فذبحه.وقد روى أن ذلك بلغ الحسن البصري
وأمثاله من التابعين فشكروا ذلك !!
وقد أكد ابن القيم في نونيته هذا الثناء بقوله:شكر
الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان !!
علما بأن القراءة التاريخية(التنقيب في
الحفريات)لحادثة قتل الجعد تثبت بأنه كان معارضا
سياسيا لحكام بني أمية في زمنه،وكان ناقدا
لسياستهم،أوليس هو صاحب تلك الأبيات المشهورة التي
جاء في مطلعها.. ليث علي وفي الحروب نعامة ...
والتي قالها في وجه الحجاج يهجوه فيها!!
ولكن إمعانا في التلبيس والتدليس لإخفاء دوافع
القتل ودواعيه الحقيقة قام(تاريخ السلطة-وسلطة
التاريخ)،بأضفاء هالة والشكر والثناء والتجبيل على
شخصية القاتل خالد القسري، حيث وصف لنا بأن لجده
صحبة مع رسول الله،وأن فعلته هذه
كانت حسنة وهدية عظمى وفضيلة كبرى له، حفظها له
علماء الإسلام من المؤرخين والعلماء،وكل من تحدث
في الفرق ونشأتها،فهي مأثرة ومنقبة ومحمدة لهذا
الأمير!! وكل من بلغه ذلك من التابعين فرح
واستبشر،ولم ينقل قط عن أحد من علماء المسلمين أو
قضاتهم في ذلك الزمن إلا الفرح والسرور بالقضاء
على الجعد الضال!!
وفي غمار هذه الهالة والتبجيل ينسى البعض أو
يتناسى بأن(إسلام النص) يحرم القتل في الأشهر
الحرم ألم يقول الخالق سبحانه(إن عدة الشهور عند
الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات
والأرض منها أربعة حرم،ذلك الدين القيم)،أولم يجرم
القتل بمجرد الخلاف في الدين والرأي والتأويل(لا
إكراه في الدين ...فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر)،أولم يضفي على بعض الأوقات والأزمنة
والأمكنة شيئا من الحرمة والهيبة ؛فللإنسان
حرمة،وللمسجد حرمة..وليوم العيد حرمة ؛أوليس هذا
اليوم هو الذي كرم فيه الانسان بفدائه من
النحر(إبراهيم –اسماعيل)؟!!
واللافت للنظر في عملية التوظيف السياسي للخطاب
الديني أنها تقوم على مراعاة مصلحة السلطان دونما
سواه ،فهذا خالد القسري –بعد انتهاء صالحيته
السياسية-قد جرد من ماله وسلطانه وقتل على يد
خليفته الذي فعل ما فعل من أجل تثبيت ملكه،فقد جاء
في المدونة التاريخية أن خالد القسري بعد قتله
للجعد بوقت قصير حبس وصودرت أمواله، ثم قتل،بأمر
من الخليفة الأموي الوليد بن يزيد بن
عبدالملك،الذي دفعه إلى واليه على العراق يوسف بن
عمر،والذي أخذه إلى الكوفة وقتله هناك،وهي ذات
المدينة التي قتل فيها الجعد !!
ويحكي ابن خلدون في تاريخه تفاصيل قتل خالد
فيقول:فدفعه إلى يوسف فألبسه عباءة وحمله على غير
وطاء وعذبه عذاباً شديداً وهو لا يكلمه.ثم حمله
إلى الكوفة فاشتد في عذابـه ثـم قتلـه ودفنـه فـي
عبـاءة ،ويقـال إنـه قتله بشيء وضعه على وجهه،وقيل
وضع على رجليه الأعواد وقام عليها الرجال حتى
تكسرت قدماه !!
هكذا كانت نهاية خالد(صاحب الشكر والثناء من
السلف!!)الذي رضى بالتوظيف الديني لصالح
السلطان.وللعلم فإن خالد القسري هو الذي قبض على
المعارض النشط العالم سعيد ابن جبير حينما كان
حاكما على مكة،وهو الذي أرسله إلى الحجاج فقتله
الحجاج قتلة سياسية !!
فإذا كان ذلك كذلك،أليس من حق عقلاء زماننا أن
ينتقدوا هذه الممارسات وهذا التوظيف السياسي البشع
للدين،وأن ينزعوا ثوب القداسة على(إسلام التاريخ)
ويمحصوا ما ورد فيه من تمجيد وتفسيق وتكفير لأشخاص
ورموز وفرق وشعارات،ليعيدوا(لإسلام النص)قوته
الاستدلالية،ومكانته الاحتجاجية،كيما تعيش البشرية
في آمان مع نفسها وحاضرها وماضيها ،وإلا فإن
التاريخ يعيد نفسه كما قيل ؟!!
- لقطات مأسوية من التاريخ :
نتصفح بعض أورق ذلك الألبوم المأسوي في تاريخنا ،
بغرض التأمل والتدبر لكي نتجاوز تلك المرحلة
المأسوية بألا نسمح لعملية التوظيف السياسي للدين
أن تطل علينا برأسها من جديد ، مما يعني أن
التسامح معها تساوي الوقوع في حفرة الماضي سواء
بسواء مثلا بمثل !!
ألم يقتل عثمان ابن عفان الخليفة بسم الدين بطريقة
بشعة وهو صائما ويقرأ القرآن ،أولم يقتل علي بن
أبي طالب الخليفة بسم الدين وهو في المحراب ساجدا
يصلى الفجر وقد قيل في قاتله:يا
ضربة من تقي ما أراد بها..إلا ليبلغ
من ذي العرش رضوانا
.إني
لأذكره يوما فأحسبه...أوفى البرية عند الله ميزانا
!!
أولم يحز رأس الحسين بطريقة أكثر بشاعة،ويقتل عمرو
بن الخزاعي في عهد معاوية ورفع رأسه على الرمح من
الموصل حتى دمشق،وثم رمي في حجر زوجته،كذلك رمي
رأس زيد بن علي في حجر والدته في عهد هشام بن
عبدالملك،ورمي رأس مروان بن محمد آخر خلفاء بني
أمية في حجر ابنته،ورمي أبو جعفر المنصور رأس
إبراهيم أخي محمد النفس الزكية في حجر والده
عبدالله بن الحسن وهو مسجون في سجنه!! أولم يصلب
السفاح الخليفة العباسي معارضي سياساته بين الدجلة
والفرات باسم الدين والإجماع المنعقد على ولاية
المتغلب وقتل البغاة وأهل البدع والأهواء ؟!
وهكذا استمر مسلسل القتل باسم الدين في حقب الحكم
الإسلامي المتوالية،من قتل ابن الزبير،وموسى ابن
نصير،وعبدالرحمن ابن الاشعث ،إلى أحمد بن نصر
المروزي الذي ذبح وعلق رأسه وأعلن عن تكفيره
،ومحدث الشام أبو مسهر حكم عليه بالزندقة لمخالفته
المأمون وقتل مسموما في سجنه،وابن جرير الطبري دفن
في داره(1)، وابن تيمية كفر ومات في سجنه،وابن
حبان البستي أخرج من وطنه،وحكم عليه بالزندقة
ولكنه نجى من القتل،وأصدر قاضي غرناطة حكما بكفر
لسان الدين بن الخطيب الأديب الاندلسي،وأفتى بعض
الفقهاء بقتله،فدخل العامة عليه في السجن
وخنقوه،ثم أخرجوه،فأحرقوه ...وكل ذلك تم في أجواء
أحتفالية من الذكر الحسن والثناء والتهليل
والتكبير ...وهكذا دواليك
والغريب أن سلطة التوظيف(السياسديني)=(إسلام
التاريخ)لم تكتفي بهذا القدر من الدماء وتلك
الرؤوس التي أجتزت، بل يدها لازالت تصول وتجول في
حاضرنا القريب والبعيد ، ألم يقتل سيد قطب في سجنه
بعد خطب دينية قيلت على المنابر أصلة لحد
حرابة،وألم يقتل النقراشي والخازندار رميا بالرصاص
بذات الابعاد،ويذبح الشيخ حسين الذهبي على يدي
جماعة إسلامية،ويغتال جميل الرحمن بسلاح مسلم !!
وقل لي ربك ، ألم يقتل الكم هائل من البشر في
الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بين الحزب
الإسلامي(حكمتيار)والجمعية الإسلامية(بقيادة
رباني)،وكم قتل من بشر بين حزب طالبان ومخالفيهم
من(الجمعية،والحزب،والاتحاد)؟!! ، وكم قتل من بشر
بين الجماعة الإسلامية
الجزائرية(الجية)والمناؤينها(الفيس،جمعية
العلماء،الأخوان،السلفية)؟!!أما المعارك الضارية
التي يودار رحاها على أرض الرافدين من قتل وقتال
باسم(إسلام التاريخ)سواء بين(السنة والشيعة)أو بين
السنة وفروعها،والشيعة وأقسامها،فهذا لا يخفى على
أحد ،والله يستر من انتقال هذه العدوة إلى الأرض
المحتلة!!
وبعد...الواضح أننا إزاء مشكل منهجي عويص من
ناحية،وعقل نقلي مسيطر من ناحية أخرى،فلابد من
حللت هذا المشكل المنهجي بالإجراءات التي جاء
ذكرها في المقال السابق.أما مشكلة سيطرت العقل
النقلي والقياسي الذي بيده زمام أمور التوجيه
والقيادة ،فهذه حقيقة ماثلة وأحسب أن مكمن الداء
فيها أن هذا العقل يجيد فن الاستيراد من الماضي
ويختمه بالشمع الأحمر(إضفاء ثوب القداسة عليها)دون
فهم وتحليل،وفك وتركيب،مما يجعل مشكل العقل النقلي
متعدى المخاطر على ذاته والناس من حوله،وخطورته
تبرز إذا دخل حلبة العمل السياسي،وإدارة الصراع
الحزبي،وقيادة دفة الحكم،وأحسب أنه في هذه
المجالات لا محالة يستخدم تلك السوابق التاريخية
ويعيد نماذج عمليات التوظيف(السياسديني) ليسطر على
الواقع والمواقع والوقائع !!وهو في صولته وجولته
هذه يحمل في جعبته أقوالا من(إسلام التاريخ)يعتمد
عليها ويعتبرها بمثابة الأصل الذي يبني عليه
غيره،ومن هذه الأقوال قول سهل التستري:لا يزال
الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء،فإن عظموا
هذين أصلح الله دنياهم وآخراهم!! وقول مالك(أن
المبتدع الداعية يقتل)،وقول ابن بطة:أنه ما أضر
بأهل الإسلام مثل مناظرة أهل البدع ومجادلتهم!! ثم
يختم هذه الديباجة بختم تاريخي( اتبعوا ولا
تبتدعوا فقد كفيتم)!! اللهم أكفينا مخاطر هذا
العقل الذي كفي التفكير والتدبر والفك والتركيب في
الفهم والتنزيل .ورحم الله القائل:
وما ذبح الإسلامَ إلا سيوفُنــــا *** وقد جُعلت
في نفسـها تتقارع
وما صدعةُ الإسلامِ من سيف خصمِه *** بأعظمَ مما
بين أهليـه واقــع
وما ترك المختارُ ألفَ ديانـــــةٍ *** ولا جاء في
القرآن هذا التنازع
فيا ليت أهل الدِّيــــن لم يتفرقوا *** وليت
نظامَ الدِّين للكلِّ جامع !!
_____________
1-من الطرائف:أنه لما قتل الإمام ابن جرير الطبري
شيخ المفسرين حاول بعض عوام الحنابلة منع دفنه
واتهموه بالإلحاد،وكان الوزير علي بن عيسي: يقول
لو سئل هؤلاء عن معنى الإلحاد ما عرفوه!!
الرئيسة........> |