مفهوم (نعمل وليس علينا
النتائج) عند الحركيين !!
لا
يخفى أن ثمة مصطلحات ومفاهيم ينبغي تصحيحها
مراجعتها عند الحركيين،منها مفهوم(الابتلاء)و(شعار
الإسلام هو الحل)وقد تم تناولهما في المقالين
السابقين،وفي هذا المقال ننظر إلى مفهوم(نحن
مطالبون بالعمل وليس بالنتائج)وأبعاده السلبية
التي استقرت في عقل الحركي وفكره مما أدى إلى ظهور
إعوجاج فاضح في سلوكه،وخطل بين في تخطيطه
ورؤاه،وإملاق في الأثار والنتائج !!
بيد
أن هذا المفهوم كغيره من المفاهيم تم تسجيله في
ذاكرة الحركي بطريقة مشوهة،وأدخاله في أبجديات
الفكر الحركي وأدبياته بمضامين سلبية غير مسؤولة،
وذلك من خلال قراءة خاطئة لجملة من النصوص
الكريمة،كقوله تعالى:(أنك لا تهدى من
أحببت)وقوله:(وإن الله يدافع عن الذين
آمنوا)وقوله:(أن الأرض يرثها عبادى الصالحون).فإذا
كان الله سبحانه هو الهادي،فلماذا اجهد نفسي في
الأخذ بأسباب هداية البشرية ومتابعة نتائج تلك
الأسباب!؟!وإذا كان الله سبحانه هو الذي يدافع عن
المؤمنين،فلماذا ابحث عن مكامن قوتي ونقاط ضعفي،أو
إمكانيات توفير أساليب الحماية وطرق الوقاية
ومسارب الدفاع ؟! وإذا كان الله سبحانه هو الذي
يورث أرضه،ويقيم دولة القرآن،فلماذا افكر في خطة
قيامها،وتحديد زمانها ومكانها،وتعيين وسائل
إنجازها في إطار(متى،وأين،وكيف)؟!! مادام الله
سبحانه وتعالى يورث أرضه لمن يشاء من عباده،ويهب
دولته لمن شاء من خلقه،وهي منة منه سبحانه
وتعالىوليس بجهد جهيد وفكر رشيد ،كما عبر عن ذلك
أحد الزعماء الحركيين الذين تربوا على هذه
المفاهيم المغلوطة الجبرية القدرية،حيث قال مخاطبا
اتباعه(دولة الإسلام لا تحتاج إلى تفكيركم ولا إلى
تخطيطكم،لا تفكروا لدولة القرآن فأنها قائمة لا
محالة)!!وصرح زعيم آخر بأن(أقيموا دولة القرآن في
قلوبكم تقم على أرضكم)هكذا بكل بساطة وسذاجة!!
والغريب أننا في مقابل هذه المفاهيم السلبية ،وهذا
الطرح الإنسحابي،وهذه العقلية القدرية الجبرية،نجد
طرحا جادا فاعلا يأخذ بعين الأعتبار عملية الربط
بين الإيمان بالغيب ونواميس الكون،وبين العمل
والنتيجة،والسبب والمسبب،وذلك من خلال الطرح
اليهودي الذي قام عليه مؤتمر بازل في سويسرا،والذي
قال فيه تيودور هرتزل ومن حوله من الاقطاب أن دولة
إسرائيل ستقوم بعد خمسين سنة في
‘إطار(متى،وكيف،وأين)،وقامت بالفعل في هذا الوقت
الذي حددوه لها!! والعجيب أيضا أن هذا الفهم (ربط
العمل بنتائجه)هو عين ما قررته جملة نصوص الكتاب
والسنة التي أمرت باستفراغ الجهد،وتقديم أقصى
الممكن في عالم التخطيط ،والاسباب والوسائل عند
الشروع في أي مشروع،لكي يؤتي هذا الجهد ثماره
ونتائجه المرجوه(انظرإلى عمل النبي صلى الله عليه
وسلم في مرحلة الدعوة والتأسيس،والدولة والتمكين).
ولا
يخفى أن عدم تحديد معالم العمل زمانا ومكانا
،وتقدير النتائج الناجمة عن هذا العمل كما
وكيفا،أوعدم الأخذ بالأسباب الكاملة،أوالتملص منها
والتقصير فيها تحت أي مسمى،ثم تحميل النتائج
السلبية الناجمة عن هذه العقلية القدرية الجبرية
للأقدار(قدر الله ما شاء فعل) تعتبر جريمة شنعاء
،تحرم صاحبها النتائج أبدا،وتوقعه في المصائب ابدا
حتى يراجع نفسه(أن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا من بأنفسهم)،لأن الله سبحانه وتعالى من
حكمته أنه قد أجرى هذا الكون العظيم على سنن
ونواميس ثابتة(فلن تجد لسنة الله تبديلا،ولن تجد
لسنة الله تحويلا)وهذه السنن لا تعرف إلا من أخذ
بها ولا تحابي في ذلك أحدا مؤمنا كان أوكافرا(كلا
نمد هؤلاء،وهؤلاء،من عطاء ربك،وما كان عطاء ربك
محظورا).ولهذا لما قصر أؤلئك الأخيارمن
الصحابة-رضوان الله عليهم-يوم(أحد)في استفراغ
الجهد،والاخذ بعالم الأسباب والتخطيط ،وتلمس سنن
الكون ونواميسه؛في جزئية من جزئيات معركة ولم يكن
ذلك منهجا ولا سمتا لهم،كانت نتيجة المعركة تميل
لكفة خصمهم الذي أخذ بسنن ونواميس الكون في تلك
المعركة،ولأهمية ذلك سجل لنا القرآن الكريم هذه
الحادثة،فقال(أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها
،قلتم أنى هذا !! قل هو من عند أنفسكم)!!
فإذا
كان ذلك في زمان ليس به دوائر،ومراكز،وجامعات تقدم
الاستشارات الإدارية ،والمواد العلمية،والدورات
الاستراتيجية،والدوريات الانسانيةوغير ذلك،فكيف
ونحن نعيش اليوم عالم يقدم علوم منضبطة في
الإدارة،والتخطيط،والتفكير الاستراتجي الذي يرسم
الأهداف
الغائية،والعامة،والخاصة،والوقائية،والبديلة،ويتم
ضبط ذلك بإطار زمني عام مجزء إلى أزمان جزئية لكل
مرحلة،ثم يأتينا من يقول:( نحن نعمل فقط ،والنتائج
ليست علينا ،قد تأتي بعد عام أو بعد مائة عام
،المهم العمل)؟!!!
وبهذا
الفهم القدري الجبري يتدثربعض القيادات
الفاشلة،فيصير لهم وقاية من المحاسبة
والمساءلة،وذريعة للتملص من العجز والفساد خلال
عشرات السنن،وياليت هذا الفهم المغلوط توقف عند
هذا الحد،بل قدم إلى الإتباع بأنه دين وفهم سليم!!
وبالتالي ،فإذا كان هذا الفهم المغلوط دين وفهم
سليم هل يحق للاتباع مراجعة القيادات الفاشلة عن
حصاد عشرات السنين ،وهل يمكن للزعامة الفاشلة أن
تمثل أمام محكمة يسألون فيها عن سبب تأخر النصر
،وعدم التمكين والاستخلاف ؟!!
أليس
من المحزن والمخزي أن كل الأعمال اليوم تخضع
للمنهجة والتخطيط ،حتى مجالات بيع السندويشات
والبيسزا،وتبقى أمور الدعوة وإقامة أمر الله
سبحانه تسير بالاعتباط والارتجال والعفوية؟!!