|
من
علامات التحضر الفكري اعتبار(إنفكاك الجهة)
لايخفى أن الوجود قائم على ثنائية،من خير وشر،ونور
وظلم،وكفر وإسلام ، وفضيلة ورذيلة ،وقد جاء
الإسلام ليرفع من شأن الخيرومقدماته ويحط الشر
ومجالاته،ويوسع من النور وإشعاعه ويطمس الظلام
ودهاليسه،ويزيد من نماء الفضيلة ومكارمها ويضيق
دائرة الرذيلة ومسبباته(بعثت لأتتم مكارم
الأخلاق). وفي هذا الأطار الثنائي الكوني الفطري
نشاء وترعرع الفكر الانساني المتعقل والذوق البشري
السليم ،فكان من جزئيات هذا الفكر المتحضر اعتبار
إنفكاك الجهة ونسبية التعامل مع الأشياء والأفكار.
ونظرة
فاحصة في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تطلعنا
على مدى اهتمامه صلى الله عليه وسلم بهذه الفكرة
تشكيلا وتطويرا في مراحل الدعوة والتأسيس،والدولة
والتمكين،فقد كان صلى الله عليه وسلم يرفض قيم
الجاهلية ومظاهرها،لكنه كان يتبنى ما كان عند
الجاهليين من خير ويتعامل مع ذلك بفكرة انفكاك
الجهة واعتبارالنسبية والتفريق بين الأفكار
والاشخاص ،وذلك كتعامله مع حلف الفضول الجاهلي
الذي قام من أجل رد المظالم والانتصار
للمظلوم،وتعامله مع النجاشي الكافرالذي يمارس قيم
العدل في حكمه ولا يظلم أحدا ... والأمثلة في ذلك
كثيرة.
كذلك
تنزل القرآن الكريم في مرحلة الدولة والتمكين يقيم
صرح فكرة اعتبار انفكاك الجهة والنسبية في
التعامل مع الآخرين،فقال:(وقد نزل عليكم في الكتاب
أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا
تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا
مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم
جميعا)فالنهي عن القعود مع الكافرين حال كفرهم
واستهزائهم بآيات الله فقط،أما إذا خاضوا في حديث
غيره فيمكن القعود معهم،لأن فكرة النسبية وانفكاك
الجهة تجمع بين الثنائية واعتبارات التجزيئي
للحالة،وليس على الاعتبار العقدي الكلي القائم على
الولاء والبراء.لذلك فإن الالتزام بالثوابت
الشرعية لا يمنع الالتقاء مع الآخرين في النقاط
التي يلتزمون فيها الحق والنفع،مهما كانوا منحرفين
في غيرها.
فإذا
كان ذلك كذلك ينبغي على أصحاب الفكر المتحضر أن
يحافظوا على نقاط إتصال ولقاء مع الآخرين،وهي
ضرورية لتحسيس الآخر أننا لسنا ضده،ولكن ضد
باطله،ونحن نجتنب باطله لكننا نتعاون معه في الحق
والخير العام ،وبالضرورة عدم التورط في باطله أو
إضفاء الشرعية عليه. لذا فإن عدم وضوح هذه النظرة
تجاه الآخر،وانفكاك الجهة بين الأفكاروالاشخاص،
وبين المؤسسات والقيم،يجعل المواقف داخل فكر
الجماعات أكثر إرباكا وتشنجا!! ومرد هذا الإرباك
والتخبط غالبا من يعود إلى القراءة الخاطئة لحزمة
من القيم الإسلامية بدون فرز بين المطلق
والنسبي،والنص والفتوى،والثابت والمتغير،والمقدس
والبشر.
وهكذا
فإن فكرة انفكاك الجهة والنظرة النسبية قيمة
متحضرة تحتم على صاحبها النظر إلى الشخص
الواحد،والفكرة الواحدة،والمؤسسة الواحدة،والجماعة
الواحدة من زوايا وجوانب عدة بعضها سيء نفارقه
فيها،وبعضها حسن نلتقي فيه معها كما كان حال
القرآن مع الخمر(قل فيهما إثم كبير ومنافع
للناس)وكذلك تعامل الرسول صلى لله عليه وسلم مع
عمه أبي طالب المشرك،والمطعم بن عدي وغيره.
وبالتالي فإن عدم اعتمد فكرة انفكاك الجهة
والنسبية في التعامل مع الآخرين يعتبر صاحبها ذو
نظرة شمولية حيث ينظر إلى جماعة أو مؤسسة أو رجل
فيه خير وشر نظرة لا تميز بين الخير والشر،وبين
الصحيح والسقيم،وبين الحق والباطل،فيرد حقه بسبب
باطله،وخيره بسبب شره،وهذا كما لا يخفى مخالف
لصريح النقل وصحيح العقل،بل يعد من جنس(رمي الطفل
مع غسيله) فهل يجوز رمي الطفل بسبب أدران غسيله ؟!
الرجوع |